الاثنين، 22 ديسمبر 2025

أبوظبي .. الجزيرة في ساحل عمان الشمالي .. التسمية والمعنى والسبب.


هذه المفردة التاريخية تتحَدَّثُ عن تسمية الجزيرة في ساحل عُمَان الشمالي على الضفة الغربية من الخليج العربي بـــ (أبوظبي) وسبب التسمية ومعناها، وهي سُمِّيَتْ بلقب شخص لُقِّبَ بـــ (أبوظبي)، وهو شخص بواردي على زمان العرب يقنصون الغزلان ولَحِقُوه العرب ووجدوه عَلَّقَ ظبياً اصطاده ونزل في هذا المكان وأقام فيه موسماً وصاروا العربُ كلمَّا أرادوا الذهاب إلى هذا المكان أو احتاجوا للإشارة إليه في كلامهم يقولون: (ديار أبوظبي)، أي ديار (ذو ظبي)؛ ديار الشخص الذي لَقَّبُوه بــ (أبوظبي)، ولذلك هذه الجزيرة سُمِّيَتْ بلقب شخص وهذا الشخص لُقِّبَ باسم حيوان.

وأَمَّا الظبي نوع معروف من الغزلان.

وأَمَّا هذا الشخص المُلَقَّب بــ (أبوظبي) هو غير (الظبي) لقب التابع الشرقي في القرن العاشر الهجري.

وأَمَّا البَوَارِدِي هو الشخص الذي يجيد الرمي بالبارودة؛ البندقية المعروفة.

(أُعِدَّتْ مُلَخَّصَةً من المصادر المخطوطة القديمة وبالله التوفيق).

مصادر الصور: الإنترنت.






الأربعاء، 5 نوفمبر 2025

قراءة في نص اتفاقية السلام بين البرتغاليين واليعاربة المنشور في كتاب (محاضر مجلس الدولة).


هذه المفردة التاريخية تتحَدَّثُ عن الأسماء العربية للأشخاص الوارد ذكرهم في نص اتفاقية السلام وإنهاء الحرب بين اليعاربة الهوازنيين والبرتغاليين في القرن الحادي عشر الهجري، وهذه الإتفاقية نصها منشور باللغة البرتغالية في كتاب (محاضر مجلس الدولة، المجلد 3، الصفحات 507-509، وثيقة رقم 25) وهي نسخة رقمية مرفوعة لهذا الكتاب على موقع الأرشيف الوطني البرتغالي على شبكة الإنترنت، وقبل مناقشة بعض ما هو مذكور في نص هذه الإتفاقية أود التنبيه إلى أنَّ الأشراف القواسم الأخيضرية الحسنية الهاشمية أصحاب السيادة والسؤدد والصيت والشهرة والتجارة والكرم والمضافات والفروسية والقضاء العشائري عبر تاريخهم الطويل الممتد إلى أكثر من عشرة قرون هجرية كان معهم الكثير من الحلفاء من العرب ومنهم من عرب خثعم قحطان ومنهم من عتوب هوازن وكذلك كان عندهم الكثير من التوابع من أعراق مختلفة ومنهم توابع شرقيين من لاريين وهنود وفرس من جهات فارس والهند ومنهم ذراري التابع الشرقي (...) من كبار رعيان الإبل في القرن التاسع الهجري وما زالت ذراريه حتى وقتنا الحاضر تُورِدُ نسبَهم فيه عند العد والتسلسل ويُسَمُّونَ به أبنائَهم وهم تركيب في نسب الأشراف القواسم الأخيضرية وغيرها من فروع الأشراف الهاشمية، وما زال كثيرٌ من حلفاء الأشراف القواسم الأخيضرية الحسنية وتوابعهم يتسمَّون باسمهم (القواسم) وينْتَسِبُون إليهم ويُضِيْفُوَنَ نَسَبَهُم فيهم، وكان للأشراف القواسم الأخيضرية الحسنية الهاشمية تجارة وثروة وأحلاف وأتباع ورحلات ومشيخات وأمارات في بوادي العرب داخل وخارج جزيرة العرب ولهم أحلاف ورحلات ومشيخات وأمارات بين العرب في سواحل الخليج العربي وجزره وفي نواحي عُمَان وسواحله إلى أنْ أرداتْ توابعُهم ومن وافقهم من العرب أَنْ تَحِلَّ مَحَلَّهُم في المشيخات والأمارات في النواحي والديار وخَرَجَ الأمرُ من يدهم وأفْلَتَتْ منهم توابعُهُم بعد سنوات النكبة الكبرى الثالثة الأخيرة بعد تمرُّدِ توابع الأشراف الأخيضرية الحسنية عليهم ومن وافقهم من العرب داخل وخارج جزيرة العرب في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري (1157-1200 هجرية) واكتمال تَغَلُّبِهم على متبوعيهم الأشراف الأخيضرية الحسنية الهاشمية ونهبهم لأموال وممتلكات متبوعيهم مع نهايات هذا النصف الثاني من هذا القرن الثاني عشر الهجري، وبعد وصول التمرُّد إلى سواحل الخليج العربي تمرَّدتْ توابعُ الأشراف القواسم الأخيضرية الحسنية الهاشمية عليهم فيها وخَلَعَتْ طاعتَهم ولِحقَتْ هذه التوابع المتمردة في تبعية التوابع المُتمرِّدة الآخرين وسيطرَتْ على تجارتهم ثُمَّ لَحِقَتْ في تبعية المستعمر البريطاني، وكان بين الأشراف القواسم الأخيضرية الحسنية الهاشمية وبين اليعاربة الهوازنيين حلفاً في نواحي عُمَان وسواحل الخليج العربي أيام الرحلات ما بين اليمن ونجد وعُمان وسواحل الخليج العربي وجزره وفي أيام أعمال التجارة ومرَّتْ عليهم أيامُ هذا الحلف ليس فيه خيانة ولا غدر وكان حلفاً مُحْتَرَماً بينهم في القرن الحادي عشر الهجري وفي تلك الأيام سك الشيخُ الأمير الشريف صالح بن محمد بن صالح القاسمي الأخيضري الحسني الهاشمي عُمْلةَ القواسم باسمه وعُرِفَتْ منذ إصدارها بمرضوف القواسم وهي عملة القواسم الأساس، والأشراف القواسم الأخيضرية الحسنية الهاشمية كانوا حلفاء لليعاربة الهوازنية أنداداً لهم وليسوا أتباع لهم وليسوا من رجال أئمة اليعاربة ولا غيرهم ولا ولاةً منصوبين مأمورين لليعاربة ولا لغيرهم ولا قادةً لجنود وجيوش وأساطيل اليعاربة ولا لغيرهم وليس مثل ما قال الكاتب هلال بن عامر بن علي القاسمي عن الشيخ الأمير الشريف سيف بن علي بن صالح القاسمي - في مقال له - أنَّه من رجال الإمام ناصر بن مرشد اليعربي الهوازني، والأشراف القواسم الأخيضرية الحسنية الهاشمية أكثرهم متصوفة يتورَّعُون عن أخذ وأكل المكوس والعشور والأتاوات والخاوات ويُصلِحون بين المتشاجرين ويتورَّعون عن الحروب وسفك الدماء وإنما عندما يشارك الأشراف القواسم الأخيضرية الحسنية الهاشمية في حروب اليعاربة الهوازنية أئمة عُمَان فهو من مقتضى الحلف ووفاءً بشروطه وليس التبعية لهم، وكان من عادة الحلفاء آنذاك أن يستخدموا توابعَ بعضهم البعض ويُقَلِّدُونَهم أعمال مختلفة مثل: قيادة الجيوش والأساطيل البحرية، ويتخذون منهم قوَّاسين جنوداً مسلحين بالأقواس والسهام وحُرَّاساً شخصيين لهم وحُرَّاساً للديار والقلاع والحصون والأبراج وكثيراً ما تُعْرَفُ هذه الديار والحصون والقلاع والأبراج بأسماء وألقاب تلك التوابع، وكذلك يُعَيِّنُونَهم كباراً للتوابع الآخرين شيوخاً وأمراءً عليهم، ومن كان حليفاً تابعاً للأشراف القواسم الأخيضرية الحسنية هو بالتالي تابع وحليف لليعاربة الهوازنية حلفاء متبوعيه الأشراف القواسم الأخيضرية والعكس، وكانت الذراري الأصلية للأشراف القواسم الأخيضرية حلفاء مع الذراري الأصلية لليعاربة مثل الشيخ الأمير الشريف سيف بن علي بن صالح القاسمي القواسم الأخيضرية الحسنية الهاشمية في أيام ناصر بن مرشد بن مالك اليعربي الهوازني الرستاقي النزْوِي العُمَاني إمام عُمان المُتَوَفَّى نحو عام 1059 هجرية، وكان من عادة الأشراف القواسم الأخيضرية الوقوف مع حلفائهم من العرب وتوابعهم لأخذ الحُكْم والأمارة في الديار على من فيها من العرب والتوابع ويأخذ الأشرافُ القواسم الأخيضرية الراية والأمارة العشائرية والقضاء العشائري في بادية العرب، وكان الأشراف الأخيضرية الحسنية الهاشمية شموساً أطفأتها تلك التوابعُ المتمرِّدة ولم يحلُّوا محلَّها، وأمَّا بُغْض التوابع لمتبوعيهم الأشراف الأخيضرية الحسنية الهاشمية فليس له حل وليس له حد بغضاً منهم على الأصول، وأَمَّا الذراري الأصلية للأشراف القواسم الأخيضرية الحسنية الهاشمية فهي مضبوطة ومثبوتة في المصادر المخطوطة المتناقلة جيلاً عن جيل إلحاقاً للأطراف بالأصول من أيام الدولة الأخيضرية باليمامة (252-450 هجرية) إلى آخر إثبات في نهاية القرن الثالث عشر الهجري ومفروزة عن ذراري حلفائهم العرب وعن ذراري توابعهم من أعراق مختلفة، وما يهمُّني من هذا الكتاب هو أسماء الأعلام الواردة فيه خاصة أسماء الأشخاص وتحديداً الأسماء العربية والتَثَبُّت في أمر ورودها والتدقيق في ترجمتها، وفيما يلي إحصاء لعدد بعض من الأسماء والألقاب للأشخاص والأماكن الواردة في النص البرتغالي الأصلي للإتفاقية من هذا الكتاب مع ترجمة عربية محتملة ودراسة لغوية رجاءَ اتضاح الصورة أكثر وحصول الفائدة العلمية:

الكلمة البرتغالية

ترجمة عربية

العدد

Mascate

Mascatte

مسقط

4

Matara

Matará

مطرح

2

Portugal

البرتغال

4

Curiate

قريات

1

Doba

دبا

1

Sismael

سمائل

1

Reame

ريام

1

India

الهند

1


الكلمة البرتغالية

ترجمة عربية

العدد

Xeque Sefo ben aly salj elcasmy

Sefo ben Ali ben sale

الشيخ سيف بن علي بن صالح القاسمي

 

سيف بن علي بن صالح

2

Nacer ben Murxete ben Maleque

Naçer bem Murxete

ناصر بن مرشد بن مالك

2

Xeque Soltão ben sefo ben Meleque

Soltão ben sefo ben Malequ Aleyorly

الشيخ سلطان بن سيف بن مالك

 

سلطان بن سيف بن مالك اليعربي

6

 Raxete ben salemo

راشد بن سالم

2

Aly ben Adula Rostagui

Ali ben Alula ben Rostagui

علي بن عبدالله الرستاقي

 

 علي بن عبدالله بن رُستاقي

2

Imamo

الإمام

11

Arabios

عرب

3

el Ray

الملك

5

Portugueses

برتغاليين

4



بعد استعراض وتدقيق بعض الأسماء والألقاب العربية للأشخاص الواردة في النص البرتغالي الأصلي نجد ما يلي:

1-ورود اسم الإمام (ناصر بن مرشد بن مالك) صريحاً، وهو إمام عُمان في ذلك الوقت أخذ الإمامة عام 1034 هجرية وتوفي عام 1059 هجرية.

2-ورود اسم الشيخ (سلطان بن سيف بن مالك اليعربي) صريحاً، وَوُصِفَ في نص هذه الاتفاقية بالقائد العام لقوات الحرب من جهة إمام عُمَان والمُخَوَّل بكامل السلطة والأمر من الإمام وهو من تولّى التفاوض بشأن السلام مع البرتغاليين لعقد الصلح بسبب الحرب التي كانت بين الطرفين في مسقط.
 
وأَمَّا سلطان بن سيف بن مالك اليعربي الهوازني خلف الإمام ناصر بن مرشد اليعربي الهوازني في الإمامة في يوم وفاته من عام 1059 هجرية واستمر الإمام سلطان في الحكم حتى وفاته في عام 1090 هجرية.  

3-ورود اسم (راشد بن سالم) صريحاً، وُصِفَ في نص هذه الاتفاقية بحليف الإمام من أرض سمائل.
 
4-ورود اسم (علي بن عبدالله الرستاقي) صريحاً، وُصِفَ في نص هذه الاتفاقية بحليف وخادم الإمام، ويبدوا أنه هو نفسه (علي الرستاقي) الذي ورد ذكره في أحداث معركة مع البرتغاليين كقائد عام لأسطول إمام عُمَان سلطان بن سيف بن مالك اليعربي بعد ذلك، واسمه ورد من ضمن القتلى بهذه المعركة في كتاب سجل الرحلة ونجاحات الأسطول في مضيق هرمز ومعركة كُنغ سنة 1670 ميلادية، (انظر مفردة قراءة في كتاب (سجل الرحلة ونجاحات الأسطول في مضيق هرمز ومعركة كُنغ سنة 1670 ميلادية).

5-ورود اسم الشيخ (سيف بن علي بن صالح القاسمي) صريحاً، وُصِفَ في نص هذه الاتفاقية بعبارة (وقد كتبه سيف بن علي بن صالح بيده)، وهذه العبارة يبدو فيها إشارة إلى دور الأشراف القواسم الأخيضرية الحسنية الهاشمية في عقد هذا الصلح بين الطرفين المتنازعين حيث أَنَّ الأشراف القواسم الأخيضرية الحسنية الهاشمية يُصْلِحُونَ بين المتخاصمين ويتورَّعون عن سفك الدماء وانتهاب الأموال وإفسادها ويعملون في التجارة ويُدْرِكُون أَنَّ التجارة تزدهر في حالة السلام والصداقة وعَقْدِ التحالفات وتتضرَّر في الحرب والعداوة التي تتسَبَّب في قطع أرزاق الناس.       

وأَمَّا الشيخ الأمير الشريف سيف بن علي بن صالح القاسمي فهو من الذراري الأصلية من الأشراف القواسم الأخيضرية الحسنية الهاشمية وهو من أمراء الأشراف القواسم الأخيضرية الحسنية الهاشمية وصاحب الصيت والشهرة والتجارة والكرم والمشيخة في العرب في وقته في القرن الحادي عشر الهجري وكان حليفاً لليعاربة الهوازنية ونداً لهم وهو ابن عم الشيخ الأمير الشريف صالح بن محمد بن صالح القاسمي الذي سَكَّ عُمْلَة القواسم باسمه ويلتقيان في جدهم الشريف صالح القاسمي، والشيخ الأمير الشريف محمد بن صالح القاسمي - والد صالح - هو من تُجَّار الأشراف القواسم ومدفون بعد وفاته في مقبرة الأشراف الأخيضرية الحسنية الهاشمية بالخضرمة المعروفة بمراقد الصالحين والأولياء في ببلدة اليمامة في إقليم الخرج نواحي نجد وسط الجزيرة العربية.

وأَمَّا تجارة الأشراف القواسم الأخيضرية الحسينة الهاشمية فهي امتداد لتجارة قبيلتهم قريش المعروفة برحلة الشتاء والصيف قبل مجيء الإسلام.
 
انتهى ما ورد من الأسماء العربية للأشخاص.

وبعد تأمُّل نص هذه الإتفاقية وبنودها يتبيَّن أنها اتفاقية تجارة حرة وسلام ووقف حرب وإزالة لمظاهر العسكرة من هدم للقلاع وإبعاد للمدافع وتحَوُّل الحال من العداوة إلى الصداقة ومن الخصام إلى الحلف، أصدقاءَ يحاربون من حاربهم، ببركة الأشراف القواسم الأخيضرية الحسنية الهاشمية وتكلل مساعيهم بالنجاح بفضل الله، وهم حلفاء لليعاربة وفي نفس الوقت نالوا ثقة البرتغاليين لسيماهم الطيبة وسعيهم في الإصلاح، (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) الآية الكريمة. 

ونختم هذه المُفردة بترجمة لنص هذه الإتفاقية في هذا المحضر البرتغالي رقم 25 بعد التدقيق حسب الاستطاعة:

(25
خبر عن حرب مسقط
15 ديسمبر 1648

اتفاقيات السلام التي تمّت بين الشيخ الإمام ناصر بن مرشد بن مالك، والقائد العام لمسقط دوم جيليانيس دي نورونها.

في اليوم الثالث عشر من شهر شوّال، الذي يباركه الله، من سنة ألف وخمسين وثمانية (1058 هـ)، والموافقة للثلاثين من أكتوبر سنة 1648 حسب التقويم البرتغالي، اجتمعوا على شاطئ ريام كل من الشيخ سلطان بن سيف بن مالك اليعربي، القائد العام لجميع قوات الحرب، وحليف الإمام: راشد بن سالم، وحليف الإمام: علي بن عبد الله الرستاقي، والشيخ سيف بن علي بن صالح القاسمي — جميع هؤلاء من جانب الإمام — ومن جانب السيد القبطان العام ومراقب الخزانة فالنتيم كورّيا، والكاهن فيغ. رو دي فارا من رعية كنيسة هذه القلعة، ونويل أنتونيس، ومانويل فارلا - قائد بوابة الحصن، وأنطونيو باربوسا - النازل في الحصن.

وكان الشيخ سلطان بن سيف بن مالك المُخَوَّل بكامل السلطة والأمر من الإمام هو من تولّى التفاوض بشأن السلام بين الطرفين، وكذلك المراقب العام للمالية، المخوّل بكامل السلطة والأمر من السيد القبطان العام، وتم توثيق الأيمان من الجميع، وقد تم التفاهم بينهما كليهما، وهما مفوضان بذلك، لعقد الصلح بسبب الحرب التي كانت بين القبطان العام وسلطان بن سيف هنا في مسقط، كما أمر بتنظيم الاتفاقيات المتعلقة بالحرب بين القائد العام وسلطان بن سيف بن مالك، وكل ذلك بموافقة الملك البرتغالي دوم جو الرابع في هذه الجهات، وبموافقة الإمام، وأقسم هذان الاثنان أمام بعضهما، وهما الشيخ سلطان بن سيف بن مالك، بقَسَمه بالله، وعلى كتاب الله ربنا وسيدنا، الذي فيه الشريعة التي أمر بها الله سيدنا، باسم الإمام ومن جهته
/507/
حضر بالأمر فالنتيم كوريا من قبل ملك البرتغال، والسيد القبطان العام دوم جيليانيس نيابةً عنه، وأقسم على الإنجيل، وهو كتاب الأناجيل المقدسة الذي أمر به الله ليسوع بن مريم، على أنْ يكون بينهما سلام دائم، وأنْ يُحْفَظَ هذا السلام، وأنْ تكون بينهما صداقة وثبات بلا أي خيانة، وألا يُخِلّ أحدٌ منهما بهذا السلام أو يُقْصَرَ في تنفيذ ما وُعِدَ به في البنود المعلنة في هذا الاتفاق، وقد أقْسَم كلٌّ منهما على هذا، والكلمات المدونة في هذا الاتفاق، والله هو أفضل شاهد على كل شيء.

البند الأول من السلام
أنَّ البرتغاليين سيقومون بتدمير الحصون في قريات ودبا، وكذلك سيدمرون الحصن الموجود في مطرح، والإمام أيضاً سيدمر ما لديه في مطرح، ولن تبقى مطرح تحت سلطة الإمام ولا تحت سلطة ملك البرتغال، بل سيكون لكل طرف جزء، وكلٌّ منهما سيأخذ مدفعيته وما يخصه.

وأنَّ سفن الإمام ناصر بن مرشد يمكنها الإبحار إلى أي ميناء يشاؤون، والعودة أيضاً بالإبحار مستخدمين تصريحاً من ملك البرتغال، وأن جميع رعايا الإمام لن يدفعوا أي رسوم في مسقط، وسيكونون معفيين من جميع الرسوم التجارية، ولن يدفعوا شيئاً عند الدخول أو الخروج. وستبقى التجارة حرة، يبيع كلٌّ منهم بحسب رغبته، ولن تكون هناك سلطة أو تحكم على البيع والشراء.

وأنَّ الحصون التي هي الآن في يد العرب سيهدمها العرب بأنفسهم، ولن يتدخل البرتغاليون فيها، وبهذا سيكون الإمام وملك البرتغال صديقين للأصدقاء وعدوين للأعداء، ولن يضر البرتغاليون العرب بأي شر، ولن يقوم البرتغاليون بأي أعمال إلا في المناطق التي تحت سيطرتهم، وكذلك الإمام لن يضر البرتغاليين، ولا رعاياه، وقد أقسم كلٌّ منهم على تنفيذ هذه البنود بصدق بحسب شريعته، ووقع كلٌّ منهم بخط يده.

وأنه إذا جاء مالكون عرب فعلاً على السفينة التي كان فيها مارتيم رويز وأعلنوا أو أظهروا ملكيتهم، فإن البرتغاليين سيعيدون إليهم ما يخصهم.
التوقيعات
حضر هذا المكتوب سلطان بن سيف بن مالك اليعربي، ووقع عليه بيده أمام الله كشاهد كافٍ.

حضر هذا المكتوب خادم الإمام، خادم الله علي بن عبدالله الرستاقي.
/508/
حضر ما هو مكتوب: راشد بن سالم حليف الإمام في أرض سمائل يشهد على ذلك.

وقد كتبه سيف بن علي بن صالح بيده، موافقاً للأصل الموجود عند القبطان العام دوم جيليانس دي نرونها؛ وكتبه غونسالو دي ليما، كاتب الخزانة والوكالة لجلالة الملك، في هذه القلعة بمسقط في هذا اليوم 15 من ديسمبر سنة 1648. — غونسالو دي ليما.

(الأرشيف الوطني في توري دو تومبو، وثائق مُرْسَلَة من الهند، الكتاب 59، ورقة 88).
/509/).

انتهت ترجمة النص.

وهذا في سياق تاريخي بحت ونحمدُ اللهَ الذي أنعم على البشرية بتطور أفكارها وظهرتْ ثقافةُ حقوق الإنسان واحترام كرامة وآدمية البشر تأكيداً للأصل البشري الواحد وصارَ العملُ محل احترام وتقدير. 

مصادر الصور:















الخميس، 23 أكتوبر 2025

قراءة في كتاب (سجل الرحلة ونجاحات الأسطول في مضيق هرمز ومعركة كُنغ سنة 1670 ميلادية).


هذه المفردة التاريخية تتحَدَّثُ عن الأسماء العربية للأشخاص الوارد ذكرهم في كتاب (سجل الرحلة ونجاحات الأسطول في مضيق هرمز ومعركة كُنغ سنة 1670 ميلادية) المطبوع بواسطة أنطونيو كرايسبيك دي ميلو الطابع الرسمي لصاحب السمو، وهي نسخة رقمية مرفوعة على موقع مكتبة قطر الوطنية على شبكة الإنترنت، وهذا الكتاب مطبوع طبعة حجرية ومنشور باللغة البرتغالية وتَرْجَمَ نصَّهُ د سلطان القاسمي في كتابه (البرتغاليون في عُمَان، الجزء 20، وثيقة رقم 50، الصفحة 378)، وكتاب (سجل الرحلة ونجاحات الأسطول في مضيق هرمز ومعركة كُنغ سنة 1670 ميلادية) هذا صفحاته غير مُرَقَّمَة بأرقام عدديَّة، وتوجد علامات في أسفل بعض الصفحات ربما المقصود منها الترقيم أو لأمر آخر، وهذه العلامات هي (A, A2 ,B, B2, C, C2) ولذلك قُمْتُ بترقيم الصفحات باللون الأحمر من 1 إلى 28 لتسهل الإشارة إليها عند الحاجة (انظر صور صفحات الكتاب في نهاية هذه المفردة) وعدد صفحات هذا الكتاب الحاوية للنص هي 28 صفحة مع احتساب صفحة عنوان الكتاب الذي بدأ الترقيمُ بها بإعطائها الرقم 1 ثُمَّ انتهاءً بالرقم 28، وهذا الكتاب البرتغالي يتحدَّث عن انتصار البرتغاليين في كُنغ بعد معارك دارت رحاها في مياه وسواحل خليج عُمَان ومياه مضيق هرمز في الخليج العربي ومياه بحر العرب في عام 1670 هجرية الموافق تقريباً لعام 1081 هجرية بين أسطول سيف بن سلطان بن مالك اليعربي الهوازني الرستاقي النزوي العُمَاني (المُتَوَفَّى عام 1090 هجرية) وبين أسطول البرتغاليين بعد هجوم أسطول إمام عُمَان على ديو بالهند وانتهابها وأخذ أَسْرَى منها وبعد هذا الهجوم قرَّرَ البرتغاليون خوض هذه المعارك للانتقام منهم، وما يهمني من هذا الكتاب هو أسماء الأعلام الواردة فيه خاصة أسماء الأشخاص وخصوصاً الأسماء العربية والتَثَبُّت في أمر ورودها والتدقيق في ترجمتها وفهم تسلسل أحداث تلك المعارك البحرية ومعرفة من أُصِيْبَ ومن قُتِلَ فيها أو نجى من الموت في خضمِّها، وفيما يلي إحصاء لعدد بعض من الأسماء والألقاب للأشخاص والأماكن الواردة في النص البرتغالي الأصلي من هذا الكتاب مع ترجمة عربية محتملة ودراسة لغوية رجاءَ اتضاح الصورة أكثر وحصول الفائدة العلمية:        
 

الكلمة البرتغالية

ترجمة عربية

العدد

Arabia

العربية

4

ArabiaFelis

العربية السعيدة

(عُمَان واليمن)

1

Angão

لنجة

3

Bacitud

باسيدو

(باسعيدوه)

1

Bengala

البنغال

1

Corfação

خورفكان

1

Caſapo

خصب

2

Comorão

قومرون

(بندر عباس حالياً)

3

Congo

Côgo

كُنغ

2

Canará

كنارة

3

Coreate

قريات

2

Cabo de Moncandanão

رأس مسندم

1

Cabo de Jaques

رأس جاسك

1

Dio

ديو

 5

Goa

غوا

1

Teuhij

طيوي

2

Tombo

طنب

1

Rosalgate

رأس الحد

1

Sinde

السند

2

 Socotora

سُقُطْرى

1

Soar

صور

3

Sareca

الشارقة

1

India

الهند

 3

Lareca

لارك

1

Lisboa

لشبونة

1

Oriente

الشرق

3

Portugal

البرتغال

1

Porto da Aguada

ميناء أغوادا

1

Fortalefa da Agoada

حصن أغوادا

1

Perſia

فارس

1

Ormvs

Ormus

هرمز

1

Maſcate

مسقط

16 

Macira

مصيرة

3

Maldiva

المالديف

1

Matará

مطرح

1

 Mombaça

مومباسا

1

Rio de Safate

ممر صفاتي

(خور بين جزيرة قشم والساحل الفارسي)

1

Roſtaga

رُستاق

1

Meca

مكة

1

Queixume

قشم

2

Zurate

زُرعت (قرب بندر لنجة)

1


الكلمة البرتغالية

ترجمة عربية

العدد

Arabio

العربي

Arabios

العرب

36

Alli de Roſtaga

علي الرستاقي

1

Barbara

برابرة

1

General Roſtagá

الجنرال الرستاقي

1

Belucos

البلوش

1

Canarás

الكناريين

2

Imamo

الإمام

1

Imperio

الإمبراطور

1

Maçamud Benraxete

محمد بن راشد

2

Candelará

 الجلندار

3

Portugueſes

البرتغاليين

2

Governador dos Belucos

حاكم البلوش

1

General

جنرال (القائد العام)

30

Lacáris

اللاكاريون (اللاكاديفيون)

1

 Marinheiros pretos

البحّارة الأفارقة

1

Europeos

الأوروبيون

1


بعد استعراض وتدقيق بعض الأسماء والألقاب العربية للأشخاص الواردة في النص البرتغالي الأصلي نجد ما يلي:

1-ورود لقب الإمامة (Imamo) بدون التصريح باسم الإمام، وإمام عُمان في ذلك الوقت هو سلطان بن سيف بن مالك اليعربي الهوازني أخذ الحُكْمَ بعد وفاة الإمام ناصر بن مرشد عام 1059 هجرية وتوفي عام 1090 هجرية وتأريخ هذه المعارك البحرية في عام 1070 هجرية أي في فترة حكم الإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي وإذن هو الإمام المُشار إليه في هذه الأحداث والمعارك.

2-ورود اسم (محمد بن راشد) في أحداث الهجوم على الديو الهندية ونهبها ثُمَّ في معركة مضيق هرمز الأولى وكان القائد العام لأسطول إمام عُمَان في هذه المعركة ولم يتحقَّق له الإنتصار على البرتغاليين وحصل بينه وبين قسم من جنوده خلاف أدى إلى إطلاق النار عليه وأصيب ولم يُقْتَل وأصيب ابنُ أخيه وقُتِلَ ثُمَّ بعدها عاد راجعاً إلى إمام عُمَان وبسبب عدم تحقيق النصر على البرتغاليين أمر الإمام بالقبض على قيادة الأسطول وسجنهم ومنهم القائد العام (محمد بن راشد) وعاقبهم عقوبةً قاسية ووحشية بالبناء عليهم أحياء داخل جدار باستثناء (محمد بن راشد) الذي توفي في السجن بعد أيام قلائل (انظر صور صفحات الكتاب رقم 12-15 في نهاية هذه المفردة).

و(محمد بن راشد) هذا قال عنه د سلطان القاسمي في بعض مؤلفاته أَنَّه هو محمد بن راشد بن قضيب بن سعيد بن صقر (انظر كتاب القواسم في عُمَان).

3-عدم ورود اسم ابن أخي (محمد بن راشد) - المقتول في الخلاف أثناء تلك المعركة السابقة الذكر - إذ لم يُصَرَّح باسمه في نص هذا الكتاب (انظر صور صفحة الكتاب رقم 14 في نهاية هذه المفردة).

4-ورود اسم (علي الرستاقي) في أحداث المعركة الثانية كقائد عام لأسطول إمام عُمَان وورد اسمه من ضمن القتلى بهذه المعركة ومنهم حاكم البلوش وابن أخي الإمام (انظر صور صفحتي الكتاب رقم 17 و 22 في نهاية هذه المفردة).

5-عدم ورود اسم حاكم البلوش صريحاً وإنما الوارد وصفه بحاكم البلوش فقط ومن ضمن قتلى المعركة الثانية (انظر صور صفحتي الكتاب رقم 18 و 22 في نهاية هذه المفردة).

6-عدم ورود اسم ابن أخي الإمام صريحاً وإنما الوارد وصفه بابن أخي الإمام فقط ومن ضمن قتلى المعركة الثانية (انظر صور صفحة الكتاب رقم 22 في نهاية هذه المفردة).

وفيما يلي جدول يوضح تسلسل الأحداث في تلك المعارك البحرية عام 1670 ميلادية وما أسفر عنها:

السنة

الحدث

النتائج

18 يونيو

1670 م

الإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي يرسل الأسطول العُمَاني إلى كُنغ ويُقَلِّد محمد بن راشد القيادة العامة وتنشب معركة بحرية مع البرتغاليين في مضيق هرمز بالخليج العربي.

هزيمة الأسطول العماني واختلافهم وإصابة القائد العام محمد بن راشد بطلقة نارية ومقتل ابن أخيه، وانسحاب مؤقت للبرتغاليين إلى لنجة ثُمَّ كُنغ للتزوّد بالماء.

 1670م

القائد البرتغالي العام يعيد تنظيم الأسطول في كُنغ وينسق مع حاكم هرمز، ويصلح شؤون الجمارك.

إصلاح الأسطول البرتغالي والجمارك.

2 أغسطس

 1670م

الإمام العماني يعيد ترميم وتشكيل أسطوله ويضيف إليه سفن مدفعية - بناها الإنجليز - استولى عليها من زُرّات (زرعت) الفارسية، وتحمل من 30–40 مدفعًا.

إصلاح الأسطول العُماني.

29 أغسطس

1670م

المعركة البحرية الكبرى قبالة كُنغ بين الأسطول العماني بقيادة علي الرستاقي وبين الأسطول البرتغالي.

انتهت بانتصار البرتغاليين ومقتل علي الرستاقي القائد العام للأسطول العُماني وحاكم البلوش وابن أخي الإمام وانسحاب ما تبقّى من الأسطول العماني إلى صور، واستعادة البرتغاليين مؤقتًا لهيبتهم في مضيق هرمز.


وفيما يلي ترجمة كاملة لنص هذا الكتاب إلى اللغة العربية باستخدام الذكاء الاصطناعي مع الأخذ بعين الاعتبار أنَّ الترجمة ربما تحوي أغلاط لذلك قمتُ بمقارنة بين الترجمة والنص البرتغالي الأصلي للتدقيق والتصحيح بقدر الجهد والطاقة (انظر صفحات الكتاب في آخر هذه المفردة): 

(سِجلّ الرحلة ونجاحات الأسطول في مضيق هرمز ومعركة كُنغ.
لشبونة.
مع التراخيص اللازمة.
طُبع بواسطة أنطونيو كرايسبيك دي ميلو، الطابع الرسمي لصاحب السمو. سنة 1670.
/1/
 بعد النهب الذي قام به العرب في ضواحي مدينة ديو، حيث كانت المنفعة لهم أعظم من المجد، قرر حكام دولة الهند البرتغالية تجهيز أسطولٍ لاستعادة الشهرة التي نالوها، وللتعويض عن الضرر الذي ألحقوه بنا. فاستدعوا لتولي القيادة العامة لهذا الأسطول السيد جيرونيمو مانويل، الذي كان قد شغل هذا المنصب في زمن نائب الملك جواو نونيس دا كونيا، كونت سان فيسنتي، والذي كان قد أُعفي من مهامه بسبب اعتلال صحته؛ ولكن لما كانت القضية قضية إلهية، ومن أجل شرف الأمة، قبل المنصب، إذ رأى أن الجسد العليل لا يضعف قلب الشجاع، بل إن القلب الشجاع يحيي الجسد العليل، وأن الله يعين من يقاتل من أجل قضيته ويدافع عن شرف وطنه.

وكان الأسطول يتألف من سفينة القيادة سانتو بينتو، تحت إمرة الجنرال جيرونيمو مانويل، وقائد البحر والحرب مانويل دي سوزا بيريرا، مزودة بثلاثين قطعة مدفعية وثمانين جندياً من الحامية.

ومن سفينة الأدميرال سيدة العلاجات، وكان فيها الأدميرال جوزيه دي ميلو دي كاسترو، الذي نال أولوية المنصب لما أبداه من شجاعة ونُبل دمٍ.

وكان على سفينة الحرب أنطونيو ريماو عشرون مدفعاً وخمسة وخمسون جندياً.

أَمَّا الفرقاطة سان جواو دا ريبيرا فكان يقودها القائد البحري أنطونيو دي كاسترو دي ساند، وتحمل ثمانية عشر مدفعاً وخمسين جندياً.

والفرقاطة نازارِه بقيادة القائد البحري بيدرو كارفاليو، مزودة بأربعة عشر مدفعاً وسبعة وأربعين جندياً.

ومن بين السفن الأربع ذات المجاديف وسفينة النار الواحدة، كان القائد العام لها جميعاً جواو فرييري دا كوستا، ولكلٍ من القادة الأفراد: أنطونيو كارفاليو، مانويل فرييري، دوم مانويل لوبو، فرانسيسكو رودريغيز، وأنطونيو باتشيكو.

وكانت قوة هذا الأسطول صغيرة مقارنةً بعظمة أسطول العدو، لكن عند قياس الشجاعة،
/2/
وكان البرتغاليون أرجح كفةً بالشجاعة، وإن كان العرب أكثر عدداً بكثير.

وفي يوم الخميس، الموافق الرابع عشر من مارس سنة 1669، أبحر الأسطول من ميناء أغوادا عند الساعة السادسة صباحاً، ومع استمرار الرحلة بهبوب ريحٍ طيبة، شوهد في السابع والعشرين بالقرب من سواحل بلاد العرب سفينـةٌ، فأُرسل قائد الأسطول للتعرف عليها إذ كانت أقرب إليه. ولما صعد قائدها على متن سفينة القيادة، أُمر — لكونه من سفينة دمناؤ، وكان متجهاً إلى المضيق محمّلاً بالبضائع — بألا يفترق عن الأسطول، حتى يكون العدد أكبر والأمان أوفر.

وفي الثلاثين من الشهر، قرب جزيرة مصيرة، شوهد مركب باتاش، ولأن البحر كان ساكناً، أُمر القائد أنطونيو كارفاليو أن يتقدّم بسفينته ذات المجاديف لاستكشافه؛ فعاد في اليوم التالي ومعه المركب، ولما لم يكن يحمل رسائل وكان محمّلاً بالمؤن في طريقه إلى مسقط، اعتُبر صيداً مشروعاً.

وفي الرابع من أبريل، أُمر القائد العام على سفن المجاديف جواو فرييري دا كوستا بالتزوّد بالماء في جزيرة مصيرة، ثم سلك الأسطول الكبير طريقه حول رأس الحد، لينتظر في الخليج من الجهة الخارجية سفن المجاديف كما كان مقرراً.

وفي الخامس من الشهر، ظهرت سفينتان تبحران بمحاذاة الجزيرة، فلم يمكن اللحاق بإحداهما، أمَّا الثانية فقد أصابتها طلقة مدفع من سفينة القيادة، فاستسلمت مذعورة، وبعد فحص الرسائل التي كانت تحملها من الحكومة، أُذن لها بمتابعة طريقها.

وفي السابع من الشهر، رسا الأسطول في الخليج حيث كان من المقرر أن تنضم إليه سفن المجاديف.

وفي الحادي عشر، ظهرت سفينتان من نوع غينودورا قادمتان من جزر المالديف تحملان مادة الكَيْر (القار) إلى مسقط، فظنتا أننا سفن عربية، فتقدمتا نحونا، ولكن لما رأى طواقمهما الزنوج تُطلق عليهم المدافع، واعتقدوا أَنَّ الأصدقاء الذين قصدوا لقاءهم هم في الحقيقة أعداؤهم، قفزوا إلى البحر وتركوا السفينتين تقعان في أيدينا، مفضلين الغرق على الأسر.

وفي صباح الثاني عشر، ظهرت الفرقاطة سان جواو دا ريبيرا
/3/
اقتربت الفرقاطة كثيراً من الساحل، وهناك وجدت سفينة من كنارة، أعداء الدولة، كانت تحمل الأرز إلى مسقط. وفي الليل كادت السفينتان تلتقيان من غير أن تريا بعضهما، لكن الفرقاطة لمّا أبصرت السفينة بجانبها هجمت عليها وأطلقت عليها عدداً من القذائف، فأجبرت الكَنّاريين على هجرها، فوثبوا إلى البحر، وأسرع إليهم العرب لمساعدتهم، غير أنّهم جنحوا بالسفينة إلى البر.

ولما رأى ذلك قائد الفرقاطة أنطونيو دي كاسترو دي ساند، أمر بإرسال قاربه الصغير، وقال: إن لم يمكن سحب السفينة إلى البحر، فلتُحرَق. ولكن حين وصل القارب إليها كانت قد تحطّمت تماماً، إذ لم يصمد هيكلها أمام عنف البحر وشدة الريح، التي جعلت القارب نفسه بالكاد يستطيع العودة إلى الفرقاطة.

وفي المساء ظهرت سفن المجاديف وانضمت إلى بقية الأسطول. غير أن السفينة التي كان القائد أنطونيو كارفاليو قد استولى عليها سابقاً، كانت قد تفرّقت بها الرياح، ويبدو أن البحر ابتلعها، إذ لم يصل عنها خبر في أي ميناء.

وفي اليوم الثالث عشر، دعا القائد العام جيرونيمو مانويل مجلسه للتشاور فيما ينبغي فعله عند الوصول إلى مسقط؛ فقد أراد — في حال كانت سفن العدو (كما كان يظن) متمركزة في الخليج — أن يهاجمها بنفسه على رأس الأسطول، بسفينته الكبيرة، مدعومة بسفن النار والمجاديف.

لكن المجلس كلّه عارض هذا الرأي، محذرين من أن في سفينة القيادة تكمن القوة الرئيسة للأسطول، وأنه لا يجوز من أجل مغامرة فردية أن يُعرَّض الجميع لخطر عام.

فاتُّفق على أن يُرسل بعض الرجال لاستطلاع الأخبار («أخذ الألسنة» كما كانوا يقولون)، وأن تُراقَب الخليج والمدينة أولاً، ثم بناءً على وضع العدوّ تُتَّخذ أنسب القرارات.

وخلال الأيام التي مكث فيها الأسطول عند الرأس، ظهرت عدة سفن تابعة للكاناريين كانت متجهة إلى مسقط؛ ولكن ما إن رأت الأسطول حتى غيّرت وجهتها إلى البحر المفتوح، وعادت نحو الهند، حيث كان الشتاء قد بدأ، فضاعت معظمُها على سواحل الشمال.
/4/
ولمّا أرادوا اتقاء خطر كاريبديس، وجدوا أنفسهم أمام سكِلا — (في إشارة رمزية إلى التخبّط بين أخطرين).

وفي اليوم الرابع عشر، أبحر الأسطول بأكمله متجهاً إلى مسقط، وفي الأيام التالية ظهرتْ له طيوي. فأرسل القائد العام جيرونيمو مانويل القائد الأكبر جواو فرييري دا كوستا، وأمره أن يقترب بسفن المجاديف إلى الساحل القريب، وأن يصحب معه إحدى المَنشُوات (قوارب صغيرة) من سفينة القيادة، برفقة مانويل دي أندرادي، الذي كان خبيراً بتلك الجهة، ليستطلع ما إذا كان بالإمكان إنزال بعض الرماة (المشاة المسلحين بالبنادق) هناك؛ فإن لم يكن العدو قد احتل المرتفعات بعد، فليُسرعوا هم إلى احتلال التلين اللذين يشرفان على خور طِيوي، بجانب البحر، حتى يتمكّنوا من التزوّد بالماء تحت حماية نيران البنادق.

وبينما كان القائد الأكبر يسير في هذا الاتجاه، صادف سفينة من كانّارة، كانت محمّلة بالأرز ومتجهة إلى خليج مسقط. فاقتربت منها سفن المجاديف والمنشوة، فهرب الكاناريون إلى البرّ، تاركين السفينة مهجورة بكل ما فيها من غنائم، فاستولى عليها القائد وأرسلها إلى القائد العام.

ثم لما وصل القائد العام إلى الساحل بسائر الأسطول، أنزل مزيداً من الجنود لاحتلال التلين، وبدأت عملية التزوّد بالماء، ولكن العرب أسرعوا للدفاع عن الموقع.

ورأى القائد الأكبر أَنَّ المقاومة تشتدّ وتُعطّل المهمة، فأمر سفينتين من المجاديف أن تُغيرا على قرية قريبة من الشاطئ أو تهدداها، لتشتيت قوة العدو وتقسيم صفوفه.

ونُفِّذت هذه الخطة ببراعة وبسالة، فاضطر العرب إلى الانقسام. وكان القسم الأكبر منهم يهاجم رجالنا الرماة الذين كانوا يحملون البنادق، فاستمر القتال في التلين طوال مساءٍ وليلةٍ كاملة، في تبادل متواصل للنيران.

ولما تمكّنوا من التزوّد بالماء، انسحب الجميع إلى السفن من غير خسارة تُذكر، سوى مقتل جنديٍّ واحدٍ من رجالنا.

أمَّا مانويل دي أندرادي فقد عاد إلى القائد العام حاملاً رأس أحد العرب الذين قُتلوا في المعركة، شاهداً على موت كثيرين منهم في ذلك الصدام.

ثم انضمت سفن المجاديف إلى فرقاطات الأسطول، واستأنفوا /5/
اتّحدوا، إمّا للنصر، أو للصمود في المقاومة.
ولمسقط الميناء الوحيد في العربية السعيدة، إذ لا يوجد على طول ساحلها كله ميناء آخر يصلح للسفن الكبيرة، لما يمتاز به من راحة الموقع وأمنه الطبيعي؛ فقد كوّنت الطبيعة في أحضان جبال شاهقةٍ وعرةٍ خليجًا محميًّا بها من كل الجهات، حتى إن السفن ترسو فيه بحيث تكاد مقدماتها وألواحها تلامس اليابسة.

والخليج، مع أنه يتسع لعدد كبير من السفن، تحيط به جبال من كل ناحية، بحيث تصل نيران البنادق من قمةٍ إلى أخرى، فلا تحتاج حِصونه إلى دعمٍ من هندسة الفن أو صنعة البشر؛ فالجدران، والأسوار، وأبراج المراقبة التي شُيِّدَتْ فيه كانت للزينة أكثر منها للحاجة، لأن الطبيعة نفسها قد جعلته حصينًا — من جهة البحر كما من جهة البرّ — حتى كان لا بد أن يُفقد أولًا ليُعرف أنه يمكن كسبه بعدئذٍ.

وفي ليلة العشرين، حاولت سفينة من السِّند دخول ميناء مسقط، فرآها الأميرال (قائد الأسطول)، فأرسل إليها المنشوة (قارب صغير مسلّح). وبعد اشتباكٍ قصيرٍ استسلمت السفينة، وقد جُرح بعض من كانوا فيها، بينما فرّ الباقون إلى الجبال المجاورة حيث كانت الرايات العربية مرفوعة.

ونُقلت حمولتها إلى سفينة القيادة، ثم أغرِقت السفينة نفسها، لأنها لم تكن صالحة إلا للنقل، لا للنصر والغنيمة.

وفي اليوم نفسه، انطلقت المنشوات في مطاردة سربٍ من العرب على الساحل، حتى بلغت سواحل مطرح، حيث أسرع جمعٌ كبيرٌ من العرب لنجدتهم. وهناك أنزلت مدافعنا فيهم ضررًا بالغًا. غير أَنَّ المنشوات اندفعت أكثر مما ينبغي، فأُمرت بالانسحاب بعد أن أُطلقت منها طلقة مدفعٍ واحدة، فأُعيدت إلى سفينة القيادة دون خسائر تُذكر سوى جرح طفيف لأحد جنودنا، عُوِّض بفيضٍ من الدماء التي أُريقَتْ من العرب.

ولما بدأ الماء ينفد، أمر القائد العام بإرسال السفن التي كانت محمّلة بالغنائم إلى ميناء كُنغ، غير أنَّ بعضها لم يصل، إذ فُقِدَتْ إحدى السفن قبالة سواحل السِّند بسبب العاصفة.
وفي اليوم نفسه، قرّر القائد أنَّ يرفع المرساة ويُبحر بالأسطول.
/6/
ثم تابعت الأساطيل الإبحار، بعدما بلغ القائد أنَّ العرب كانوا قد خرجوا من مسقط متجهين نحو طريق مكة، وأنهم أرسلوا إلى كُنغ خمس سفن يطلبون منها المراقب والمشرف التجاري، ومعهم أمرٌ بأن يستولوا بالقوة على ما يمنعهم منه الفرس إنْ هم أبدوا مقاومة.

وفي اليوم الحادي والعشرين من عيد الفصح الزهري، نُفِّذ القرار الذي كان قد اتُّخذ، فغادرت الأسطول من مسقط نحو كُنغ. لكن ريحًا شمالية غربية عاتية هبّت، فأجبرت السفن على الانحراف حتى بلغت قريات، وهي بلدة ساحلية في العربية.

وفي آخر يوم من ذلك الشهر، لاحت لهم سفينة كبيرة تابعة لملك فارس، كانت تحمل مئةً وأربعين ألف بالة من الأرز، وكمياتٍ كبيرة من الفلفل والهيل، متجهة إلى الميناء الذي كنا قد غادرناه.

فانقلب الأسطول نحوها، وأجبرها على الاحتماء بـ حصن جزيرة قريات. وهناك، إذ ضُيّقت عليها سفن المجاديف، ارتطمت السفينة بالشاطئ، وكان يدافع عنها رماةُ البنادق من البرّ.

ولما رأى القائد العام ذلك، أمر القائد الأكبر بأن يواجه السفينة الحصن بمدافعه، فأرسل المنشوات (القوارب الصغيرة) بقيادة رئيسها، وأمره أن يقترب من السفينة، فإن لم يستطع انتزاعها فليُشعل فيها النار.

ونُفّذ الأمر كما قيل، ولم يُقَصِّرْ العربُ في الدفاع عنها بما استطاعوا، لكنها بعد أن اقتُلعت من موضعها صمدت قليلاً ثم انهارت، فألقى من فيها بأنفسهم إلى البحر، ونجا بعضهم بالسباحة إلى الساحل، بينما ابتلعت الأمواج آخرين.

وكانت السفينة قد علقت في الرمل بشدة، ومعها حمولة ضخمة، فلم تتمكن القوارب من سحبها، فتركوها وأشعلوا فيها فتيلًا من بارود المخزن، ثم ابتعدوا مسافة قصيرة قبل أن تنفجر كمنجمٍ مشتعل، وتشتعل حتى أطفأها الماء حين بلغها اللهيب. ولم يبقَ من السفينة سوى ما لم تلتهمه النيران.

وفي اليوم الثاني من شهر مايو، واصل الأسطول إبحاره بمحاذاة الساحل، مارًّا بحصن مسقط، فأُطلقت نحوه طلقة مدفعٍ بلا قذيفة (كإشارة احترام أو تحية بحرية)، فردّت عليها سفينة القيادة بالمثل، ثم واصلوا طريقهم.
/7/
ثم ظهرت في الأفق سفن كثيرة بأشرعةٍ مرتفعة، ففُهِم من ذلك أنَّ العرب كانوا يحشدون أسطولًا.

وفي اليوم الرابع، شاهدت سفينة القيادة سفينةً كبيرة قادمة من جهة الريح، فتوجهت نحوها. وفي الوقت نفسه، شوهدت سفينة أخرى من الجهة المقابلة للريح، فاقتربت منها فرقاطة القديس يوحنا دا ريبيرا، واستولت عليها، كما استولت القيادة على السفينة الأولى.

وكانت تلك السفينة قد استسلمت لسفينة القيادة، وكانت قادمة من بِنغال، محمّلة بالأموال، والسجاد، وسلعٍ فارسيةٍ فاخرة، قادمة من هرمز.

ولمّا لم تكن تحمل رسائل رسمية، اعتبرها القائد غنيمة شرعية، وأمر بتسليمها إلى وكيل الأسطول المسؤول عن حفظ الغنائم.

وفي اليوم التالي صباحًا، وصلت الفرقاطة سان جواو دا ريبيرا ومعها السفينة التي اعترضتها — وكانت قد أبحرت أصلًا من كُنغ نحو السِّند.

ولما تبيّن أنها تحمل أوراقًا رسمية (رسائل مرور)، أُفرج عنها لتتابع طريقها. ومن طاقم تلك السفن علمنا أنَّ خمس سفن عربية كانت قد خرجت من مسقط نحو كٌنغ، بغرض استقبال المراقب والمشرف على الجمارك أو القبض عليهما.

وكانوا قد اتجهوا أولًا إلى قومرون، ثم لما بلغهم أن أسطولنا دخل المضيق وكان فوق مسقط، تلقّوا أمرًا من الإمام (وهو ما يسمي به العرب ملكهم)، بأن يلجؤوا إلى حصن خصب، إذ لم يكن ذلك المكان آمنًا.

وشكّ القائد العام في أنَّ العرب سيحاولون الاختباء أو الاحتماء، فقرّر أن يجوب الساحل والحصون بنفسه، فأمر مانويل دي أندرادي أن يبحر على متن سفينة القبطان أنطونيو كارفاليو بمحاذاة الشاطئ، ليتحقق من أحوال صور وخورفكان ويوافيه بما يراه، لأنَّ الفرقاطات لم تكن تستطيع الاقتراب كثيرًا من اليابسة.

وقد نفّذ مانويل دي أندرادي مهمته بنجاحٍ وحكمةٍ كبيرة، فرأى تحت حصن صور السفن العربية الخمس ومعها سفينة قبطان داماو التي كان العرب قد استولوا عليها سابقًا، بسبب تقدمها عن الأسطول ورفضها البقاء في تشكيله.

وما إِنْ رآهم العرب من حصن صور يقتربون — وعلى رأسهم سفينة مانويل دي أندرادي، تتبعها سائر سفننا — حتى بدأ الحصن بالتحرك.
/8/
بدأت السفن بإطلاق المدفعية، وكان في ذلك اليوم ضبابٌ كثيفٌ للغاية حتى إن الفرقاطات لم تكن ترى بعضها بعضًا، فكانت تقترب من الحصن مسترشدة بأصوات المدافع فقط.

وفي ذلك الوقت كان مانويل دي أندرادي في طريقه لإبلاغ القائد بالأخبار، ولأن الليل قد حلّ، رست السفن قرب الساحل قليلًا، بينما لم يتوقف العرب عن مناداة أسطولنا بمدافعهم، إذ كانوا واثقين من استعدادهم، وتحدّونا للقتال.
لكن سرعان ما تبيّن لهم أنَّ تجهيزاتهم لم تكن كافية لمواجهة المعركة.

وفي صباح اليوم التالي، تحرّك الأسطول ورسا في موقع آخر قريب جدًا من العدو، ولم يتمكن من الاقتراب أكثر من الحصن لأنَّ المياه كانت ضحلة.

إنَّ صور حصنٌ قديم، كان مستعمرةً برتغالية، وقد لاقت نفس المصير الذي لاقته سائر الحصون في بلاد العرب.

يقع الحصن على الساحل مباشرة، حيث تكوّن الأرض خليجًا واسعًا ذا مياه ضحلة جدًا حتى على مسافة بعيدة من الشاطئ، ولذلك اختار العرب هذا المكان لحماية سفنهم، إذ كان يُصعّب على فرقاطاتنا الاقتراب بسبب الضحالة وكثرة الصخور.

وقد خفّضت الفرقاطات أشرعتها لتتمكن من المناورة بصعوبة، وتقدمت حتى اقتربت من الحصن والشاطئ، حيث أقام العرب متاريس دفاعية نصبوا فيها أثقل مدافعهم، وتركوا المدافع الصغيرة في السفن مع كتيبة قوية من الرماة.
وهكذا، وقد تحصّنوا خلف الحصن ورفعوا أعلامهم، انتظروا الهجوم بثباتٍ وبشجاعةٍ وفرحٍ عسكري.

ثم أمر القائد العام مانويل دي أندرادي أنْ يتقدّم ضمن تشكيل القيادة ومعه سائر السفن، ليتعرّف على سفن العرب ويهاجمها، على أن يعاونه قائد سفن المجاديف من الجهة الأخرى بما استطاع، فإذا سنحت الفرصة استغلّها في القتال.

وما إن اقتربت سفينة القيادة والفرقاطات الأخرى حتى بلغت مدى المدفعية، فبدأت بطارية الأسطول بإطلاق النار نحو العرب.

/9/

 وأطلق العربُ على الأسطول نيرانهم، واستمرّ القتال طوال اليوم.

فأصابت إحدى القذائف — ويُعتقد أنها من سفينة القيادة — مخزن البارود في إحدى السفن الخمس، فانفجرت واحترقت بنيرانها الخاصة، حتى لم يبقَ منها إلا آثارها غارقة إلى الكيل (أي قاع البحر).

وفي القلعة تهدمت أجزاء من السور، وفي البلدة المجاورة تضررت السفنُ والمتاريس، وقُتل كثير من الناس.

أَمَّا سفننا فقد تلقت حملاً رهيبًا من المدفعية والبنادق، لكن العدو — بعد أن وجد مقاومة صلبة — انسحب بشجاعة عسكرية.

وقد طارده القائد الأكبر (الكابتن مور) بسفينته حتى كاد يصطدم بالشاطئ الضحل، إذ منعه انخفاض المياه من التقدم أكثر، لا من قلّة الشجاعة، بل من استحالة المناورة.

أمَّا السفن الأخرى، التي كانت أبعد مسافة، فلم تستطع بلوغ موقع القتال.

وفي اليوم التالي أُصيب مانويل دي أندرادي بجراح خطيرة مع جنديين آخرين، كما قُتل أحد ضباط قائد المجاديف، وكان دم القتلى والجرحى شاهدًا على خطر المعركة التي خاضها الجميع.

وفي اليوم التالي، وبّخ القائد العام قادة سفن المجاديف على ما بدر منهم في المعركة السابقة،

وأمر قائدَهم العام أن يعيدوا الهجوم لدعم خطوط الأسطول،

فكان لكل سفينة منهم طاقم من ثمانية رجال تقريبًا، ومعهم مدفع صغير في المقدّمة.

ورغم أن معظمهم لم يكن شديد الجرأة، فإن القليل منهم أبدوا شجاعة عظيمة، واندفعوا صدورهم مكشوفة نحو سفن العرب، التي كانت تحوي أكثر من مئة رامٍ (موسكيتير) في كل سفينة، وتتمتع بدعم مدفعية القلعة والتحصينات الساحلية.

قاتلوا بشجاعة القدر أكثر مما بحظوظ النصر، إذ أرادوا أن يمنعونا من الانتصار أكثر مما أرادوا أن ينتصروا.

أمَّا فرقاطة سان جواو دا ريبيرا، التي كان يقودها الكابو مانويل فرانشيسكو ميرا، فقد هاجمت أولًا، ورمت السفينة العربية الكبرى بـقدور مملوءة بالبارود المشتعل، وبمساعدة سفينة القيادة أجبروا العرب على الارتماء في البحر، فيما تابعت سفن الأسطول الأخرى إطلاق البنادق عليهم من مسافة قريبة.

/10/

هرب كثير من العرب من النيران إلى البحر؛ فـماتوا لا احتراقًا ولا غرقًا، بل كأنهم نجوا من موتين ليقعوا في الثالث.

ولما خلا المركب من رجاله، استولى عليه الحريق تمامًا.

وفي الوقت نفسه، واجهت إحدى سفننا (المانشوا) سفينةً كبيرةً للعرب، فخشية أن تحترق بدورها، انسحبت بمهارة أفضل ثم هاجمت السفن الأخرى.

وحين بدأ رجال العدو يرمون أنفسهم إلى اليابسة، هبّت ريح قوية قلبت اتجاه البحر، حتى كادت سفننا وجميع الفرقاطات أن تُقذف نحو الساحل، لكنهم تمكنوا مع حلول الليل، وبجهدٍ شديد، من السيطرة على الفرقاطات وإنقاذها من الجنوح.

في ذلك اليوم، تابع أسطول المجاديف قائده الأكبر، الذي كان هو نفسه على وشك أن يجنوح بسفينته، لكن بقية القادة كسبوا الرأي بأنهم لم يُهزموا؛ إذ جُرح عدد من الجنود، وقُتل خمسة رجال وأربعة مدفعية، بينما تكبد العدو خسائر فادحة، إذ فقد سفينةً كبيرةً وعددًا من خيرة جنوده.

مع حلول الليل توقفت نيران المدفعية من البرّ، لكن ظلّ يُسمع دويّ كبير في البحر، دلالةً على استمرار أعمال القتال أو الإصلاح.

وفي اليوم الحادي عشر من الشهر، بعد أن كان مقررًا شنّ هجوم جديد، تبيّن عند الفجر أن السفن الأربع الباقية للعدو قد سُحبت إلى الشاطئ بالحبال والرافعات، لكنها كانت محطمة ومهجورة.

وقد فضّل العدو تدميرها بنفسه على أن يراها تقع في أيدينا، كي يقلل من مجدنا بانتصاره الذاتي، لكنه بذلك ساهم في نصرنا.

ورأى القائد العام أن العمل هناك قد تمّ، وأنَّ السفنَ بحاجة إلى الماء والإمداد، فأمر بالإبحار من صور إلى كُنغ، حاملاً معه ثمار هذا النصر الميمون والشجاع، ومبشّرًا بـ انتصاراتٍ أكبر في المستقبل.

وفي اليوم التاسع عشر، عند رؤية رأس مسندم، هبّت رياح قوية فرّقت أسطول المجاديف عن بقية الأسطول، فأبحر الأخير مع الريح نحو هرمز، ثم انضمت إليه سفينة البنغال وسفينة أخرى كانت قد تأخرت، واتجهوا جميعًا نحو جزيرة طنب، ومنها تابعوا إلى كُنغ.

/11/
ثم اتحد الأسطول مع سفن المجاديف، التي كانت قد سلكت مَمَر صافاتي، مرورًا بـجزيرة قشم وأرض فارس، وقد أتمّت رحلة موفقة.

وفي اليوم الثلاثين، ألقى الأسطولان مراسيهما في ميناء كُنغ، وسط تحية المدافع من القلعة والسفن التجارية الراسية في الميناء.

وتوجّه إلى سفينة القيادة فورًا المشرف العام ومسؤولو المالية، يتباحثون مع القائد العام في أمور الجمارك وتموين الأسطول.

وفي اليوم السابع من يونيو، أمر القائد بإرسال فرقاطتين مع سفن المجاديف لجلب الماء من باسيدوه (باسعيدوه)، لكن لما بلغه أن العدو يجهّز أسطولًا جديدًا، أمر بعودة السفن فورًا إلى الميناء، حتى لا تُفاجَأ متفرّقة، مفضِّلًا أن يُضعف انقسام القوة لا شجاعتها.

وفي اليوم الرابع عشر، وردته أخبار من قومرون، ومن وكيل الإنجليز التجاري وغيرهم، بأنَّ أسطول العرب قد وصل إلى الشارقة بـخمسةٍ وعشرين سفينة في طريقها من كُنغ لملاقاة الأسطول البرتغالي.

فما إِنْ سمع القائد العام هذا الخبر حتى أمر بإطلاق طلقة إنذار من سفينة القيادة، فهبّ كل البحّارة الذين كانوا على البرّ للعودة إلى سفنهم.

وفي اليوم التالي قبل شروق الشمس، أبحر الأسطول البرتغالي كله في طلب العدو، الذي كان بدوره يسعى إلى تحقيق النصر، فيما كان البرتغاليون يتعجلون المعركة.

وفي يوم الثلاثاء، 18 يونيو، عند الساعة الثالثة بعد الظهر، وأثناء إبحار الأسطول بمحاذاة جزيرة قشم، ظهر أسطول العدوّ قرب لنجة.

كان مؤلفًا من خمسةٍ وعشرين سفينة، منها خمس سفن كبيرة، والباقي بَتاشات وغاليوتات (جالبوتات)، تضمّ ما يقارب ستة آلاف مقاتل.

وكانت السفينة القائدة تُدعى ناو سيّاو، ويقودها الجنرال محمد بن راشد، وهو قائد عربي شجاع جدًا، معروف لأنه سبق أن قاتل حاكم الهند البرتغالي أنطونيو دي سوزا كوتينيو واقتحم مدينة ديو في الهند.

سار الأسطول العربي في نظامٍ متين ضد الريح (بالميل العكسي)، وعندما أبصر أسطولنا، أعطيت الأوامر اللازمة، فتقدمت سفن المجاديف نحو الساحل، وبقيت الفرقاطات في عرض البحر.
/12/
أطلقت الفرقاطات مدفعًا من سفينة القيادة، ثم اصطفت المؤخرة مع الريح، ووجّه الجميع مقدمات السفن نحو العدو، بانسجامٍ عظيم وحماسةٍ بالغة، حتى لم يبقَ من يشك في النصر القريب، رغم تفوق العرب في عدد السفن وكثرة الجنود، مما جعل النتيجة تبدو مترددة في الظاهر.

لكن ما إِنْ أدار الأسطول العربي ثلاث دفّات محاولًا المناورة،
ورأى أن أسطولنا بكامل أشرعته الممدودة يقترب نحوه، وأن سفينة القيادة البرتغالية تطلق عليه النار من المدفع الأمامي — دون أن يردّ عليها — حتى جمع بقية سفنه حول قيادته وبدأ الانسحاب بانضباطٍ حسن، مستفيدًا من غروب الشمس الذي أعاقنا عن مطاردته.

ثم حلّ الليل بظلامٍ شديد، واشتدّت قوة الريح، فرأى القائد العام أن العدوّ، على كثرة قوته، لم يكن متراجعًا عن القتال، بل مؤجِّلًا له، وأنه إن لم يقاتل في تلك العشية، فسيلتقي بنا في الغد حيث قد تسنح له رياح أوفر حظًا.

فقرر – بمشورة ضباطه – أنْ يرسو الأسطول مشعلاً الأنوار (الفوانيس) ليلًا استعدادًا للقتال، وفعلًا نفّذوا الأمر، ولم يُخطئ حدسه، إذ العدو أيضًا رسا بنيّة القتال ذاتها.

غير أَنَّ الاضطراب (التمرد) الذي نشب تلك الليلة بين قباطنة وجنود الأسطول العربي منعه من القتال في اليوم التالي، إذ بدأوا يتشاجرون فيما بينهم، فكان ذلك سببًا في نصرنا دون قتال.

وكان الإمام قد وعدهم بأنهم إنْ ظفروا بنا، فسيجدوننا عاجزين على البرّ بلا سلاح، وكانوا يظنون أنهم سينتصرون دون قتال، لكنهم لما أدركوا أن النصر لا يُنال إلا بالقتال، أحجموا عن المحاولة، لأن المعركة كانت ستكلفهم غاليًا وإن كان النصر ممكنًا.

وإذ علموا أننا نستعد لملاحقتهم، توجّهوا نحو رأس جيس ومسندم في نواحي مسقط.

أَمَّا القائد محمد، فرغم أنه وجد نفسه مهجورًا من بقية سفنه، فقد بقي مع سبعٍ منها جزءًا كبيرًا من الليل، عازمًا أن يقاتل في الغد، ليجعل من ضعف أسطوله سببًا لمجده الأكبر أو لخسارتنا الأصغر.
لكن جنود سفينته، الذين كانوا يتطلعون إلى الفرار
/13/
حاول بعضهم اللحاق بالفارين، فقطعوا الحبال التي كانت تربط السفن، فهبّ القائد للدفاع عنها، فأُصيب في المعمعة، وقُتل له أحد أبناء إخوته.

ثُمَّ تبعوا السفينة التي كانت القيادة تقودها، لكن بسبب السرعة الشديدة والريح القوية التي تهبّ من الخلف، دارت السفن حول رؤوس مسقط، تفرّق بعضها.

طلع اليوم التالي الذي كنا ننتظره بترقّبٍ كبير، ظانّين أنه سيكون يوم القتال الحاسم، لكن حين توقعنا أَنْ نجد العدو مصطفًّا للمعركة، لم نعد نراه حتى من أعالي الصواري.

فتابع أسطولنا مطاردته باتجاه الجنوب، حتى بدا وكأن العدو دخل بين رؤوس لارك وهرمز، فخرجنا نكتشف تلك الجزر، لكننا علمنا أنه غادرها.

أراد القائد العام مواصلة المطاردة لإجباره على القتال، لكن نقص الماء جعل ذلك مستحيلًا، إذ لم يكن خارج تلك الرؤوس أي موردٍ للماء.

فاقتنع القائد بأن إجبار العدو على الفرار لا تقلّ مجدًا عن الانتصار بالسلاح، لأن الخوف من القوة قد يفعل ما يفعله السيف.

وفي اليوم الثالث والعشرين، استولت فرقاطة سان جواو دا ريبيرا
على قارب (طَرَّاد) كان قادمًا من مسقط إلى قمرون، وكان العرب قد احتموا في جزيرة قشم.

فأمر القائد العام بقطع رؤوس بعض الأسرى الذين أُخذوا من هذا القارب وغيره، إِمَّا عقوبةً على تقصيرهم، أو لتحفيز الآخرين على الانتقام.

وفي 9 يوليو، بينما كان الأسطول في لنجة، وصلت سفينة من كُنغ قادمة من مكة، وأتت بالأخبار أنَّ السفينة سان غونزالو قضت الشتاء في سُقُطْرى، وأَنَّ مدينة مسقط قد احترقت أحد عشر يومًا وليلة، إذ كلما أُطفئ الحريقُ، عاد فاشتعل من جديد.

كانت خسارة العرب وسكان مسقط فادحة جدًا، لكن الرضا البرتغالي كان عظيمًا تجاه من نفّذ تلك العملية، لأنهم لم يكتفوا بإشعال النار مرة واحدة، بل واصلوا إضرامها كلما خمدت.

وبعد أَنْ جُمعت بعض المياه من صهاريج لنجة، لكنها لم تكن كافية لحاجات الأسطول، غادر الأسطول الميناء.
/14/
اتجه الأسطول إلى كُنغ ليتزوّد بالمؤن، إذ كان يعاني نقصًا شديدًا في الإمدادات. وبينما كانوا يتزوّدون منها، انشغل القائد العام بتنظيم شؤون الجمارك (القلعة التجارية)، ولغرض تسوية الخلافات القائمة بين بعض التجّار المتعلقة بخدمة جلالة الملك البرتغالي والملك الفارسي، أرسل الجلندار، وهو حاكم المملكة ووصيّ أولاده، وقد أنجز ذلك بسمعة طيبة وفائدةٍ عظيمة.

وفي اليوم الثاني من أغسطس، بلغه خبر أَنَّ الإمام قد أرسل أسطولًا جديدًا في ملاحقة الأسطول البرتغالي، بعد أن رمّم أسطوله واستعاض عنه بسفنٍ من زُرّات — وهي ميناء فارسي شهير على الساحل المقابل — حيث استولى على بعض سفنها أثناء زيارته هناك للتزوّد بالماء.

كانت تلك السفن فرقاطات حربية تحمل 30 إلى 40 مدفعًا، بُنِيت على يد الإنجليز.

وبعد أنْ أخذ منها ست سفن كبيرة وترك السفن الصغيرة، نقل طواقمه الكثيرة إلى تلك السفن الكبرى.

وقد شعر الإمام بإهانةٍ بالغة من ضياع سمعته ومن تفوق السلاح البرتغالي، فعاقب قادة أسطوله عقابًا صارمًا ومثاليًا، إذ أمر بسجن ثم إعدام من حُكم عليهم بالموت على الطريقة التي يعاقب بها العرب أصحاب الجرائم الكبرى، أي بدفنهم أحياءً داخل جدارٍ مغلق، لأن شريعتهم لا تبيح سفك الدماء مباشرة.

ثم أمر باعتقال القائد محمد، الذي مات بعد أيام قليلة في السجن بلا ذنب، إذ لم يشفع له أنه لم يفرّ ولم يتراجع عن القتال؛ فكما يقول النص: “إِنَّ الشقاء يُرى كأنه ذنب، ولذلك يُعاقَب عليه كأنه خطيئة.”

وبعد ورود هذه الأخبار، قرّر القائد البرتغالي أَنْ يقلّص قواته الضعيفة، ويكتفي بما لديه من الفرقاطات، استعدادًا لملاقاة العدوّ قبالة كُنغ، حيث يمكن تأديب العرب أمام أنظار فارس، لأنهم هناك — كما في بقية أراضي الشرق — يتاجرون علنًا بغنائم ديو، ويبيعونها باستمرار لتجار البحر.
/15/
وبما أَنَّ الفرقاطات والسفن الشراعية الصغيرة لم تكن تمتلك الطواقم الكافية لخوض القتال ضد سفن العرب، التي كانت أفضل تجهيزًا، قرّر القائد العام إعادة تنظيم القوات.

فأمر بأن ينتقل القائد الأكبر للأسطول ومعه الكابتن أفونسو ميندِس — الذي كان قد خلف مانويل فِريره — إلى سفينة القيادة، وأن يُنقل أنطونيو كارفاليو إلى سفينة الأدميرال، ودوم مانويل لوبو إلى فرقاطة نازاريت، وهكذا رُتّبت بقية السفن على هذا النحو.

وبذلك أصبح الأسطول البرتغالي أقل عددًا، لكنه أكثر قوةً وتماسكًا؛ فالاتحاد يمنح القوة، في حين أن التفرّق يورث الضعف.

كما تخلّوا عن السفن التي كان وجودها في القتال عبئًا أكثر من كونه عونًا.
 
نُقلت إليها الذخائر على الفور، لكن لم يُنقل إليها الجنود بعد، لأن عودتهم إلى الأسطول كانت موضع شك، ولم تكن الفرقاطات بحاجة ماسة إليهم بعد، ولذلك لم تُترك السفن فورًا.

في 15 أغسطس وصلت إلى كُنغ رسائل من تجار مسقط، تفيد بأن العدوّ لا يخرج من مرفئه لأن رجاله قد فرّوا، فأمر القائد العام — وكان يضع دائمًا المراقبين في صواري السفن — أَنْ تتوجّه السفن ذات المجاديف لجلب الماء من الآبار القريبة، على مسافة رمية حجر من الفرقاطات، على أن تعود فورًا إلى مواقعها إذا ظهر العدوّ.

وفي ليلة 28 أغسطس جاءه أولاد الجلندار يخبرونه بأنَّ العرب دخلوا رأس مسندم وأنهم متجهون نحو الأسطول البرتغالي.

فأجابهم القائد قائلًا إنه يسرّه ذلك كثيرًا، حتى يرى العرب شجاعة البرتغاليين. ثم أمر بإطلاق طلقة مدفع تحذيرية، فتأهّبت الفرقاطات وربطت مراسيها استعدادًا لملاقاة العدوّ، منتظرةً إياهم عند المراسي بينما تدفعهم الرياح نحوه.

وفي صباح الخميس 29 أغسطس، وهو اليوم المكرّس لذكرى قطع رأس القديس يوحنا المعمدان، عند الساعة السابعة صباحًا، شوهد أسطول العدوّ من أعلى صارية سفينة القيادة البرتغالية، ورُفعت على الفور الراية الحمراء المربّعة — إشارة الاستعداد للقتال.
/16/
أُطْلِقَتْ طلقةُ مدفع لتكون إشارة إلى الفرقاطات والسفن ذات المجاديف، التي كانت قد بدأت بالفعل تنفيذ الأوامر الصادرة لها.

تحرَّكَ الأسطول البرتغالي بأكمله، ولأَنَّ الريح كانت في صالح العدو (أي أنه كان في موقع الريح العليا)، فقد بذل أسطولُنا كل ما في وسعه للإبحار ضد الريح، ولم يُترك مجال إلا لسفينة القيادة كي تقترب منها إحدى سفن المجاديف لتنـزل الجنود على متنها كما كان مخططًا، ثم انسحب الآخرون نحو كونغ (Côgo).

واصلت سفينة القيادة الإبحار بكامل أشرعتها، متقدمةً كثيرًا على باقي الفرقاطات، ولمّا نُبّه القائد العام إلى أنه يتقدم أكثر من اللازم في اندفاعٍ قد يُعدّ إخلالًا بالانضباط، أجاب بأنه يفعل ذلك عن قصد، لكي يرى جموع العرب والمسلمين الواقفون على شواطئ كُنغ وجزرها أَنَّ البرتغاليين لا يتأخرون لحظة بين رؤية العدو ومهاجمته، وأَنَّ تأخير القتال لا يكون إلا بقدر ما يستغرق الوصول إلى مدى السلاح.

وقال إنه يتقدم بنفسه قدوةً لرجاله، ولأنَّ سفينة القيادة هي الأقوى في الأسطول، فمن الأنسب أن تكون أول من يصدم العدوّ بعنف — وقد أثبتت النتائج صحة رأيه فيما بعد.

قامت فرقاطة نازاريت بجمع طاقم إحدى السفن، وسفينة الأدميرال جمعت طاقم سفينة أخرى، ثم انتظرت قدوم سفينة أفونسو ميندِس، التي كانت أيضًا مخصصة لسفينة القيادة.

بعد ذلك أمر القائد بأن تتبع باقي الفرقاطات بعضها البعض على مسافة مناسبة، إذ كانت سفينة أفونسو بطيئة الإبحار وتأخرت قليلًا لأسباب تتعلق بالرياح أكثر مما تتعلق بالتقصير، لكن تبين في النهاية أنَّ هذا التأخر كان من حسن التقدير، إذ جاء دعمها في اللحظة الأنسب أثناء المعركة.

وبعد أنْ عادت السفن ذات المجاديف إلى كُنغ، تقدّم الأسطولان نحو بعضهما البعض لملاقاة حتمية، كان الأسطول البرتغالي في جهة الريح المنخفضة، بينما كان الأسطول العربي في جهة الريح العليا.

وكان أسطول العدوّ مكوّنًا من عشر سفن كبرى، وأربع فرقاطات، وسفينتين صغيرتين (غاليـوتات)، وعلى متنها أكثر من سبعة آلاف رجل، عدا البحّارة الذين كانوا يشاركون في القتال أيضًا، وكان يقودهم الجنرال علي الرُستاقي، الذي سبق أنْ حاول الاستيلاء على قلعة مومباسا.
/17/
كان قد جاء من مكة ومعه عدد من السفن التي استولى عليها من أسطولنا، وكان الأدميرال هو حاكم البلوش، رجلٌ عُرِفَ بشجاعته وكان يحظى بتقدير كبير في أنحاء الجزيرة العربية.

ولأن جميع سفنهم كانت ترفع ثلاث رايات متشابهة على صواريها الثلاثة الكبرى، لم يكن ممكنًا تمييز أيّها كانت سفينة القيادة أو الأدميرال.

كانت الساعة نحو الثالثة بعد الظهر، ولم تكن الأساطيل بعدُ على مدى نيران المدافع، إذ كان النسيم البحري خفيفًا، والعدوّ يتقدّم ببطء نحونا، لكن حين هبّت من جهة البرّ سحابة ممطرة، تغيّر اتجاه الريح لصالحنا.

ورأى العدوّ أن الحظّ قد صار في صفّنا، فلم يشأ أن يمنحنا تلك الميزة، فأدار سفنه عكس الريح محاولًا تأجيل المعركة أو تجنّبها.

في تلك اللحظة كانت سفينة القيادة البرتغالية قد اقتربت حتى مدى المدافع، وإذ دوّت أصوات الرعد، هتف رجال الأسطول مبتهجين، إذ ظنّ بعضهم أن السماء نفسها تُرسل الصواعق لتعلن بدء القتال.

وكانت الريح تتقلّب: تارةً في صالحنا وتارةً في صالح العدوّ.
ثم عادت أخيرًا لصالحه، فاستغلّ الفرصة على الفور، وأطلق مدفعيته من سفينة القيادة التي تعرّفنا إليها آنذاك من طلقتها الأولى، ثم تقدّمت بقيّة سفنه كلها في نظام دقيق وشجاعة ظاهرة، متّبعة أوامر قائده العام.

أَمَّا القائد البرتغالي، فجمع رجاله على سطح السفينة وخطب فيهم قائلًا ما خلاصته:
«في تلك الجموع البربرية التي ترونها، تكمن الفرصة السعيدة التي نطلبها. فكلّما زاد عددهم، زاد مجد نصرنا عليهم.
لا تخافوا من خطرٍ يزداد، لأن الله قد بدأ ينصرنا حين اضطرّ العدو إلى التراجع.
هؤلاء هم أنفسهم العرب الذين في ديو دنّسوا الكنائس، وهدموا الصور المقدسة، وانتهكوا العبادة الإلهية.
وإنَّ عناية الله قد ساقتهم إلينا الآن ليُعاقَبوا بأيدينا…».
/18/
ثُمَّ اختتم القائد خطبته قائلاً إنّهم يدخلون المعركة مفعمين برجاء النصر، وأنّ هلاكهم إنْ وقع فسيكون عقابًا إلهيًا للذنب، وأنّ الله نفسه، الذي علّم أذرعهم فنّ الحرب، قد وضع في أيديهم سلاحه لينفّذوا عدله وانتقامه ويصونوا مجده، وفي مثل هذه المهمة المقدسة لا تكون المنيّة أقدس، ولا يكون النصر أروع ولا أبهى.

وأكّد في ختام كلامه أنه يطلب من كلّ رجلٍ أن يقتدي به، فهو لن يطلب إلا أحد أمرين: الموت مع المجد، أو النصر مع الشرف.

عند هذه الكلمات الملهِمة، أجاب جميع الرجال بأصوات متحمّسة، يصرخون: «تحيا عقيدة المسيح!» 

وتردَّدَتْ الصيحات نفسها على متن الفرقاطات الأخرى، حيث شجّع القباطنة جنودهم، وامتزج الحماس العام بتآلف روح الإيمان.

وبعد أَنْ توزّعت السفن مواقعها حسب الخطة، أمر القائد العام كبيرَ الملاحين أن يناور قدر استطاعته ليقطع أسطول العدوّ من منتصفه.

وأمر كبيرَ المدفعيين ألا يُطلق قذيفةً بلا هدف محدد، وألا تُفتح النيران إلا عندما يكون العدوّ على مدى المسدسات (أي قريبًا جدًا).

ثم تقدّم الأسطول العربي مباشرةً نحو سفينة القيادة البرتغالية، وأمطرها بوابل رهيب من المدافع والبنادق، وتدافعت سفنه محاولًا كلٌّ منها الاصطدام والاشتباك مباشرة.

وردّت سفننا بإطلاق نارٍ مكثّف ومباشر، فسقط بعضها منكسرًا أو مُعاقًا بالحطام، وتراجعت أخرى إلى جهة الريح السفلى.

أَمَّا سفينة القيادة العربية، فعلى الرغم من إصابتها بنيراننا، تمكنت من الاصطدام بسفينتنا، وغرزت ساريتها بين السارية الكبرى وسارية الصاري الأمامي، فتدلّت أشرعتنا وانقطع أحد حبال الصاري، لكنها تماسكت بشراسة، وحاولت اقتحام سفينتنا وإلقاء الجنود على سطحها.

واندلعت النيران في كلتا السفينتين من كثافة إطلاق النار، حتى كان من العجيب أنهما لم تحترقا معًا في حريقٍ واحد.

وفي الوقت نفسه، اصطدمت سفينة عربية كبيرة أخرى بجانب سفينتنا من الجهة الأخرى، وحاولت مهاجمة سفينة الأدميرال البرتغالية أيضًا، لكنها لم تتمكن من تثبيتها.

وفي خضمّ هذا الاضطراب، اشتعلت النيران في مؤخرة سفينة القيادة البرتغالية من كثرة ما أُلقي من القنابل والقذائف عليها.
/19/
اشتعلت النار في مؤخرة السفينة بشدةٍ عظيمة، حتى كان إخمادها يتطلب جهدًا كبيرًا، في الوقت نفسه الذي كانت المعركة فيه دائرة ضد العدوّ وضد الأضرار في السفينة معًا.

ولمّا كانت سفينة الأدميرال البرتغالية عاجزة عن تثبيت موقعها، اندفعت سفينة القيادة نحو فرقاطة نازاريت — وهي سفينة صغيرة بُنيت على طراز القراويل القديمة — وكانت تقلّ عنها قليلًا في الحجم.

خاف الملاح من التفاوت الكبير في القوة، فقال لقائد السفينة بيدرو كارفاليو إنه يستطيع تجنّب الخطر إنْ شاء، لكن كارفاليو اعتبر هذا التحذير إهانة، فتقدّم بعزيمةٍ أعظم، قائلًا إنّ السفينة الرئيسية قد اشتبكت وتحترق، وإنه هو أيضًا يجب أن يسعى إلى حظّ مماثل لينال مجدًا مماثلًا.

فاتجه مباشرةً نحو سفينة الأدميرال العربية واشتبك معها، رغم أن فرقاطته كانت أصغر بكثير حتى بدت كقاربٍ صغير إلى جانب سفينة ضخمة.

ومع ذلك، قاوم رجال نازاريت ببسالة فائقة محاولة الاقتحام، ودافعوا عن سفينتهم الصغيرة كأنها من أعظم السفن، حتى جاءت غاليـوتة (جالبوتة) عربية لنجدتهم، فألقت جنودها فوق سطح السفينة البرتغالية، وإذ ازدحمت جموع العرب واشتدّ ضغطهم، لم يستطع المدافعون البرتغاليون الضعفاء الصمود، فاخترق العدو السفينة، وسقط القبطان بيدرو كارفاليو قتيلًا قبل أن يتمّ اقتحامها تمامًا.

نال ضباط البحر والحرب الذين قاتلوا معه نفس المصير والمجد، إذ كانت مصيبتهم أنهم ماتوا قبل أن يُهزموا.

أَمَّا القبطان الثاني للحامية فقد جُرح مرتين، وانسحب معه عدد قليل من الجنود الجرحى، وتحصّنوا في المقصورة الداخلية.

لكنّ العدوّ سيطر على سطح السفينة، وبينما قفز بعض البرتغاليين إلى البحر فرارًا، رأى المؤرخ أن هذا الهروب ليس عذرًا مشروعًا،
إذ لا يجوز اتخاذ أفعال الجبن قدوةً، بل يجب احتقارها كأفعالٍ مشينة.

في هذه الأثناء، كانت سفينة القيادة العربية قد انفصلت عن سفينتنا بعد أن هُزمت، وقُتل على متنها القائد العام ومعظم رجاله،
عندما وصل الأدميرال البرتغالي ومعه النجدة إلى فرقاطة نازاريت، التي كانت قد وقعت بالفعل بيد سفينة الأدميرال العربي — وهنا تبدأ الصفحة التالية وصف المعركة بين السفينتين الأخيرتين.
/20/
أظهر الأدميرال أنَّ التأخير السابق كان تدبيرًا إلهيًا؛ فما إن اقترب من سفينة العدو حتى أمطرها بمدافع رهيبة، واشتبك معها في قتالٍ عنيف.

وفي تلك الأثناء، كانت فرقاطة سان جواو دا ريبييرا تقاتل أيضًا، لكن لأنها لم تكن صالحة للإبحار ضد الرياح، انحرفت كثيرًا نحو المؤخّر ولم تستطع دخول المعركة.

ولما رأى الأعداء بعدها الكبير عن الأسطول البرتغالي، هجموا عليها بكل قوتهم، ظانّين أن ابتعادها يعني هروبها، وأن تفوّقهم العددي سيمنحهم النصر.

لكن الأمور لم تَجرِ كما ظنّوا: إذ لم يتجنّب البرتغاليون الخطر، بل واجهوه وانتزعوا النصر.

أَمَّا الفرقاطة التي ظنّها العدوّ فريسة سهلة، فقد كانت إهانةً لقوتها أن يُظنّ بها الضعف، فقاتلت بشراسةٍ عظيمة، وكأنها لا تسعى فقط إلى الظفر، بل إلى التكفير عن تأخّرها عن المعركة، كأنّ تأخّرها كان خطأ القبطان نفسه.

وعندما بدأت سفن العدوّ تتراجع مبتعدة، تقدّمت بعضُها نحو الساحل، لكنّ إحداها – وهي غاليـوتة صغيرة – تجرّأت فهاجمت فرقاطة برتغالية كانت قليلة الرجال، معتمدةً على كثرة جنودها.

غير أنّ الفرقاطة صبّت عليها نارًا كثيفة، فاشتدّ الخطر على الغاليـوتة، واضطرّ رجالها إلى القفز في البحر، إذ كانت الغاليـوتة قد اشتعلت فيها النيران من لهب الفرقاطة نفسها، حتى كادت تحترق في حريقها الذاتي.

ثم وصلت سفينة القيادة البرتغالية لنجدتها، فألقت الرعب في صفوف العدو، ففرّ الأعداء محاولين الاحتماء بظلام الليل، لكنهم لم يجدوا مأمنًا ولا سكونًا.

ولما رأى القائد العام ذلك، أشعل الأنوار وأعطى الإشارات المعتادة، وأمر بالالتفاف نحو سفينة الأدميرال البرتغالية، التي لم تكن قد انفصلت عن العدو بعد، ولا عن فرقاطة نازاريت، بل بقيت مشتبكة طوال الليل، مدافعةً عن نفسها ببسالةٍ نادرة.

أَمَّا القليل الذين بقوا من طاقمها، فقد تحصّنوا في المقصورة، وصارت السفينة كأنها حصن لا يُؤخذ.

وأخيرًا تراجع العرب، وانتصر البرتغاليون، فعيّن الأدميرال ضابطًا (كابو) مع عددٍ من الجنود ليتولّوا متابعة ما تبقّى من العمليات.
/21/
ثُمَّ أرسل الأدميرال البرتغالي الخبر إلى كُنغ، يحمل علامات النصر، وأسرى العدوّ وغنائمهم.

وفي أثناء الليل، عادت فرقاطة سان جواو دا ريبييرا فالتقت بأسطول العدو، ودخلت في قتالٍ عنيف معه، حتى إذ أنذرتها سفينة القيادة بأن تعود، رجعت مع الريح اللطيفة إلى موقع الأسطول.

وعند طلوع الصباح، كانت فرقاطاتنا ترسو في موضع النصر، بينما كان الأعداء ينسحبون راجعين إلى سواحل العرب.

فأمر القائد العام بمطاردتهم، وتبعتهم السفن البرتغالية طوال النهار،
لكن لما حلّ المساء، وكانت المسافة قد اتسعت كثيرًا، لم يعد في الإمكان اللحاق بهم، فعاد القائد إلى سفينة القيادة والأدميرال وفرقاطة سان جواو، ليعتني بالجرحى ويُصلح السفن المتضرّرة.

خسر العرب في هذه المعركة خمس سفن من أفضل سفنهم، منها سفينة القيادة السيّانية، كما فُقدت سفنٌ أخرى أثناء انسحابها نحو العرب.

وكان الجرحى كثيرين، أَمَّا القتلى فقد بلغوا أربعة آلاف، من بينهم الجنرال الرستاقي، حاكم البلوش، وابن أخ الإمام.

قاتلوا بشجاعةٍ حتى آخر لحظة، فكان موتهم نفسه شاهدًا على نُبلهم وبأسهم، لكن كما يقول النص:
«حين يكون النصر كاملًا، فلا يُمجَّد فيه الأحياء أكثر من الأموات، إذ تلطّخت البحار وسواحل فارس بدمائهم، حتى إنّ الصيادين لم يجرؤوا على أكل الأسماك التي اقتاتت من أجسادهم، إمّا خشيةً أو ازدراءً أو رهبةً من المأساة.»

أَمَّا من جانب البرتغاليين، فقد سُفك دم أربعين جنديًا من خير الرجال، وفقد ستون حياتهم في المعركة.

ورغم أَنَّ الجنائز لم تُقم لهم جميعًا في أرض المعركة، إلا أَنَّ البرتغال مدينة لهم بالمجد والعرفان.

وقد أُصيب أيضًا عدد من الأفارقة والبحّارة السود، الذين لم تُخفِ المعركة بطولتهم، بل أكّدت بدمائهم ما خُطّ من بطولات الأبطال.

ومن بين أعظم من نال المجد بالموت، كان القبطان بيدرو كارفاليو، قائد فرقاطة نازاريت، الذي قُتل قبل أن يستسلم العدوّ، حتى بدا وكأن جثمانه ظلّ يقاتل بعد موته، إذ لم يتمكّن العدوّ من الاستيلاء على السفينة إلا بعد سقوطه.
/22/
مانويل دي سالدانها، الذي مات من الإعياء بعد أَنْ قتل عديدًا من الأعداء، لا من الجراح، استطاع أن يغلب شجاعة خصومه، لكنه لم يحتمل مشقة القتال نفسها؛ فبينما كان قلبه لا يُقهَر، لم يكن جسده لا يُكلّ، فمات منهكًا، ولكنه مات شجاعًا.

أما مارتيم دي سوزا دي سان بايو، الذي خلَّدت ذاكرات المشرق اسمه لبسالته الفائقة، فقد تلقّى جرحين ولم يتوقف عن القتال في أكثر المواقع خطرًا، ولم يرضَ أن ينسحب ليُعالَج، إذ بدا له أن التراجع جريحًا أقلُّ مجدًا من الموت في ميدان القتال، فظل يقاتل مكشوف الرأس كأنه ما زال بكامل قوته، حتى أصابته رصاصة من بندقية في عنقه فذبحته، ولئن فقد الحياة التي كان يستطيع حفظها بلا عار، فقد نال المجد الذي لا يسمعه أحد دون إعجاب.

وبيدرو دي ماغالهايش كوتينيو، بعدما اخترقت رصاصة ساقه اليمنى، لم يشأ الانسحاب حتى أصابته قذيفة مدفعية فقتلته؛ مفضِّلًا أن يفقد حياته على أن يفقد موقعه.

وأَمَّا فرانسيسكو بايس دي ساندي، الشاب في عمره، الناضج في شجاعته، فكان يقاتل على مؤخرة السفينة التي كان هو قبطانها، فاشتعلت فيها النيران بعد أن التهمت برميلًا من البارود أُلقيَت إليه شرارة، وبينما كان يسقط جريحًا مميتًا كان يردّد أنه يموت راضيًا لأنه أدى واجبه، إذ كان يُقدّر أداء الشرف أكثر من حفظ الحياة.

ولما رأى أخاه أنطونيو دي كاسترو دي ساندي يُحمَل جريحًا إلى المقصورة، أراد أن يلازمه، إمّا ليودّعه أو ليحاول إنقاذه، فأوصاه وهو يحتضر ألا يقدّم الحب الأخوي على خدمة الملك، لأن الواجب يقتضي أن يُسعَف الخطر لا الجرح. فأثارت هذه الفعلة إعجاب الحاضرين وستثير إعجاب الآتين، وكانت أروع كلما بدت أكثر عفوية، إذ أظهر أن الشجاعة سبقت السن، وأن الشباب مؤهَّلون لأمجد البطولات.

ولم يكن في الأسطول بأسره من لا يستحق ثناءً خاصًا؛ فقد كان القائد العام في تنظيمه على أعظم قدر من الدقة، وفي المعركة على أكمل و
/23/
قاتل القائد العام لا كقائد فحسب، بل كمقاتلٍ أيضًا.

وقد نال الأدميرال جوزيه دي ميلو دي كاسترو، رغم تأخّره في الوصول إلى ساحة القتال، شرف أن يكون عونًا في النصر، إذ كان له من الفضل في المعركة بمقدار من شارك فيها منذ بدايتها بكل جهد.

أَمَّا الكابتن البحري والحربي أنطونيو دي كاسترو دي ساندي، فقد تلقّت فرقاطته عبءَ الأسطول المعادي، وبفضل شجاعته وحسن تدبيره أدّى واجبه كاملًا ورفع شرفه عاليًا.

والقائد الأعلى لأسطول المجاذيف، جواو فرييري دا كوستا، أظهر من جديد ما عُرف عنه من بأس قديم، إذ صنع في هذه الواقعة ما صنعه في سابقاتها في المضيق نفسه. ولم يكن الأعداء ليُدهشوا من بطولاته، فقد خبروها من قبل، لكنها مع ذلك لم تخلُ من إعجابٍ عظيم، لأنها كانت دائمًا تُكلِّفهم الخسائر الفادحة.

فقد ظهر في هذا القائد الشجاع أَنَّ الشجاعة تبلغ ذروتها حتى وإن انحدر العمر.

أَمَّا القبطان البحري مانويل دي سوزا بيريرا، وقائد الفرقاطة الأميرالية أنطونيو ريمام، فلم ينقصهما ليبلغا مرتبة سائر الأبطال سوى أن تكون فرقاطتاهما أعلى منزلة.

وهكذا رُسمت على مياه كُنغ مأساة تشبه تلك التي ناحَ عليها الناس في ضواحي ديو؛ فهي المعركة التي انتصرت فيها الأسلحة البرتغالية في دولة الهند، وهي النصر الذي رفع مجدها القديم، حتى إن الظروف المحيطة به تجعل منه — وإن لم يكن معجزة — أمرًا يدعو إلى الإعجاب.

فقد رأى هذا النصرَ لا أهل فارس وحدهم، بل أهل البلاد والأوروبيون جميعًا، وشهدوا بأن انتقامنا كان أعظم من هجومنا، إذ امتنع الأعداء عن محاولة الهجوم خشية أن يذوقوا وطأة الثأر.

أَمَّا سيفاجي، ومغور، وهيدلكاو، الذين كانوا ينتظرون نجاح العدوّ ليتقدموا نحو حصوننا، فقد انسحبوا عنها وقد تحوّل رجاؤهم إلى خوف.

وكانت فرقاطاتنا قليلة وضعيفة بالمقارنة مع أسطولهم، إذ لم يكن معنا سوى ثلاثمائة وأربعةٍ وعشرين برتغاليًا، فقاتلوا وهزموا سفنًا كثيرة أكبر منهم حجمًا، وعلى متنها سبعة آلاف عربي، بينما لم يُقتل من أسطولنا سوى خمسين جنديًا،
/24/
قُتل من العرب أربعة آلاف، ومن البرتغاليين خمسون فقط. ومن هذا التفاوت في القوة، ومن هذا الخراب الذي أصاب العدوّ في المعركة، يُستدل برحمةٍ وإيمانٍ على أن إله الجيوش أراد أن يُعاقب الإهانات الدنيوية التي وُجِّهت إلى المعابد المقدسة، فجعل ضرباتنا أدواتٍ لعدله الإلهي، حتى غدت هذه النصرة منسوبةً لا إلى سواعدنا بل إلى معونته، وكانت، لا لتمجيد مجدنا وحده، بل لتسبيح عدالته وتنفيذ حكمه.

وبمثل هذه الظروف العظيمة، كان من العدل أن تُسجَّل هذه المعركة في سجلات المجد، وفي خلود النحاس المنقوش، إذ إن الانتصارات التي كتبها البرتغاليون في اكتشاف الهند وفتحها كانت الأولى، لكنها ليست الأعظم؛ وهذه المعركة تعترف لها بالسبق، لا بالعظمة.

وقبل أن يرسو أسطولنا في كُنغ، استقبل القائد العام رسولًا من أبناء الجلندار، يحمل تهانيهم بالنصر وهديّة تعبّر عن روحٍ نبيلة، وكان الفرح قد بلغ بهم مبلغًا جعلهم يشاركوننا في البهجة والإنفاق.

وكانت السفن الراسية في الميناء مزدانة بالأعلام، في مشهدٍ من البهجة، حيث امتزجت مظاهر السلام بمدائح الحرب؛ فعندما لاحت سفننا وأطلقت المدافع من السفن والحصون تحيةً متكررة، بدا كأنها جولةٌ من القتال، لكنها في الحقيقة كانت تحيةَ النصر. 

وترددت دويّات المدافع المتواصلة — على شدّتها وهولها — كأنها هتافات المجد لذلك النصر البحري العظيم.

ولم تُلهِ نشوة النصر القائدَ العام عن واجبه في إصلاح الأسطول، بل تولّى ذلك بعنايةٍ عظيمة، كما يليق بمن نال المجد بعمله. ومكث ثمانيةً وعشرين يومًا بعد المعركة في كُنغ، رتّب خلالها شؤون الجمارك وأظهر براعةً في الأمور السياسية لا تقل عن شجاعته في الميادين العسكرية. وبعد أن تمّ تنظيم ذلك، ووافق زمن اكتمال القمر في عيد القديس فرنسيس.
/25/
وفي الخامس والعشرين من سبتمبر، أبحر الأسطول متجهًا إلى الهند، من غير أن يعترضه في رحلته حادثٌ يُذكر. فبعد أن أحرز ذلك النصر العظيم، بدا كأنه لم يبقَ أمامه نصرٌ آخر يناله، إذ إن الشهرة التي ولدتها هذه المعركة كانت كافية لتخلّد المجد في سجلّ انتصاراته.

وفي الخامس والعشرين من أكتوبر، أشرقت الشمس والأسطول راسٍ في بحر حصن أغوادا، بعد أن أمضى ستة أشهرٍ ونصفًا في هذه الحملة، التي جنى فيها، إلى جانب مكاسبه الحربية، مجدًا خالدًا في سجلّ الشهرة العسكرية. فجاء الحكّام لاستقبال القائد العام، وتبادلا التهاني بتلك البهجة التي يشارك فيها المنتصرون والمهنئون على السواء.

وقد بدّدت الأخبار التي كانت قد شاعت في الهند عن خسارتنا السابقة كلَّ شكّ، إذ جاءت هذه الانتصارات لتثبت الحقيقة، فارتفعت أصوات الفرح وعمّت مظاهر البهجة التي غلبت أحزان الخوف، وكانت المدافع التي دوّت في الأفق لا تحمل الرعب، بل كانت صدىً للتصفيق. ومع إطلاق التحايا الاحتفالية من جميع الحصون، دخل الأسطول إلى الميناء في تلك الظهيرة، وكان ذلك اليوم أعظم أيام المملكة البرتغالية في الهند، بل أكثرها بهجة منذ أعوام طويلة، إذ أضيئت المدينة ليلًا بالمشاعل والألعاب النارية وطلقات المدافع المتكرّرة.

ورغم أن مظاهر الفرح بدت مألوفة في مثل هذه المناسبات، فإنها لم تنقص من صدق المشاعر، فقد احتُفل بالنصر بإخلاصٍ عظيم، لا سيما في زمنٍ كانت فيه مثل هذه الانتصارات نادرة. وكان هذا الظفر هديةً إلهية لمن يستحقها، لا مكافأةً لمن طلبها عبثًا.

ورُفعت إلى الله صلوات الشكر على هذا النصر المجيد، معترفين بأن من نالوه إنما فازوا به بعناية العناية الإلهية، التي بثّت القوة في قلوبهم، والرعب في أعدائهم، فخرجوا منصورين، ونُصروا على خصومهم. وإنه لحقٌّ أن الحظوظ تتبدّل متى شاء الله، وبفضله العظيم ورحمته الواسعة نرجو أن تظلّ هذه الأمة البرتغالية تنعم بهذه العناية، فلا تفقد — بما بدأته من مبادئ سعيدة — ما تحقق لها من أنبل التقدّم وأوفى النجاح.
/26/
بعد أن عاد هذا الأسطول ظافرًا، بادر حكّام دولة الهند البرتغالية إلى تجهيز حملةٍ جديدة، آملين أن تحظى بنصرٍ مماثل أو أعظم. وكان القائد نفسه، جيرونيمو مانويل، والجنرال جوزيه دي ميلو دي كاسترو، اللذان قادا الانتصار السابق، على رأس هذه الحملة الجديدة، وقد أضفت خبرتهما وشجاعتهما المجربة وثقتهما بعلوّ حظهما أملًا كبيرًا في نيل فوزٍ آخر.

لم يكن الوقت المتاح كافيًا لإعدادٍ ضخمٍ كهذا، لكن الغيرة والهمة العظيمة عوّضتا ضيق المدة، إذ تمّ تجهيز الأسطول في أقلّ من ثلاثة أشهر. وكان يقوده نخبة من قادة البحر والحرب، على رأسهم قائد السفينة سان بنتو، الذي عاد إليها في هذه الحملة مانويل دا سيلفا، ومعه من الحامية أنطونيو كورتي ريال دي سامبايو، وميغيل دي ألميدا، وفالكو لويس كوتينيو، وأنطونيو دا كوستا، وفرانشيسكو دي سوزا دا غاما، وأنطونيو فيليش.

أَمَّا الفرقاطة نوسا سينهورا دوس ريميديوش فقد تولّى قيادتها الأدميرال أنطونيو سوتيلو، وتحت إمرته في الحامية نونّو ماشادو دا سيلفِيرا وبنتو رودريغش إنريكيش.

ومن بين الفرقاطات الأخرى كانت يسوس ماريا ونوسا سينهورا دوس ميلاجريس وسان جواو دا ريبيرا وسان أنطونيو.

وقد أبحرت هذه السفن بأمرٍ من قادة البحر والحرب: بدرو فاس دي سيكِيرا، وبلثازار دي بارّوس فيرّاو، وأنطونيو دي كاسترو دي ساندي، وفرانشيسكو غوميش دو لاغو، ولويس ألفارِش بيريرا دي لا سيردا، الذي كان من أبطال البرّ في معارك "ألم تيجو"، ثم صار من خيرة قادة البحر في مياه الهند.

وفي الفرقاطة الأولى كان من قادة الحامية: مانويل دي سوزا ومانويل دا سيلفا تيليس،
وفي الثانية: بيلكيور دي أمارال دي مينيزِش وفرانشيسكو ساردينها كاسيلها،
وفي الثالثة: جوزيه دا كوستا ومانويل فرانشيسكو دي ميرا،
وفي الرابعة: لورينسو سوارِش،
وفي الأخيرة: غاسبار أومين،
أما قائد قوات المدفعية فكان مانويل دي أندرادي فرِيرِه.

تألّف هذا الأسطول من خمسمئةٍ وخمسة جنودٍ نظاميين، وخمسمئةٍ وثمانية عشر بحّارًا، ومئةٍ وأربعةٍ وأربعين.
/27/
وفي الخامس عشر من فبراير سنة 1670، غادر القائد العام جيرونيمو مانويل مدينة غوا، ويُرجى أَنْ يعود منها محمّلًا بانتصاراتٍ تعادل ما خلّفه من آمالٍ عظيمة في تلك الولاية.

وقد أُصيبَت الأمم المجاورة — بل حتى الأبعد منها — بالرهبة مما بلغها من أخبار النصر الماضي، وخشيت أن تُصاب بمثله في المستقبل، حتى إِنَّ بعضها، حين وصلها صدى ما جرى في البحار التي نحن سادتها، أرسلت سفراءها إلى حكّام الهند البرتغاليين ليقدّموا تهانيهم بهذا المجد العظيم.

وطلب الأصدقاء تثبيت السلام، وسعى الأعداء إلى إنهاء الحرب.

وفي هذه الظروف، تعلّقت الآمال بحكمة حكومة البرتغال، وبأن نائب الملك الجديد لويس دي ميندوسا فورتادو — الذي وصل إلى الهند بعون الله، وبمعاضدة شخصه وسلاحنا — سيقوّي قوى الشرق بقوةٍ متجدّدة، حتى تستعيد تلك الولاية حيويتها، وتسترجع من مجد حياتها الزاهرة ما ازدهر به ماضيها المجيد.
/28/).
انتهى نص الكتاب.