كان قد جاء من مكة ومعه عدد من السفن التي استولى عليها من أسطولنا، وكان الأدميرال هو حاكم البلوش، رجلٌ عُرِفَ بشجاعته وكان يحظى بتقدير كبير في أنحاء الجزيرة العربية.
ولأن جميع سفنهم كانت ترفع ثلاث رايات متشابهة على صواريها الثلاثة الكبرى، لم يكن ممكنًا تمييز أيّها كانت سفينة القيادة أو الأدميرال.
كانت الساعة نحو الثالثة بعد الظهر، ولم تكن الأساطيل بعدُ على مدى نيران المدافع، إذ كان النسيم البحري خفيفًا، والعدوّ يتقدّم ببطء نحونا، لكن حين هبّت من جهة البرّ سحابة ممطرة، تغيّر اتجاه الريح لصالحنا.
ورأى العدوّ أن الحظّ قد صار في صفّنا، فلم يشأ أن يمنحنا تلك الميزة، فأدار سفنه عكس الريح محاولًا تأجيل المعركة أو تجنّبها.
في تلك اللحظة كانت سفينة القيادة البرتغالية قد اقتربت حتى مدى المدافع، وإذ دوّت أصوات الرعد، هتف رجال الأسطول مبتهجين، إذ ظنّ بعضهم أن السماء نفسها تُرسل الصواعق لتعلن بدء القتال.
وكانت الريح تتقلّب: تارةً في صالحنا وتارةً في صالح العدوّ.
ثم عادت أخيرًا لصالحه، فاستغلّ الفرصة على الفور، وأطلق مدفعيته من سفينة القيادة التي تعرّفنا إليها آنذاك من طلقتها الأولى، ثم تقدّمت بقيّة سفنه كلها في نظام دقيق وشجاعة ظاهرة، متّبعة أوامر قائده العام.
أَمَّا القائد البرتغالي، فجمع رجاله على سطح السفينة وخطب فيهم قائلًا ما خلاصته:
«في تلك الجموع البربرية التي ترونها، تكمن الفرصة السعيدة التي نطلبها. فكلّما زاد عددهم، زاد مجد نصرنا عليهم.
لا تخافوا من خطرٍ يزداد، لأن الله قد بدأ ينصرنا حين اضطرّ العدو إلى التراجع.
هؤلاء هم أنفسهم العرب الذين في ديو دنّسوا الكنائس، وهدموا الصور المقدسة، وانتهكوا العبادة الإلهية.
وإنَّ عناية الله قد ساقتهم إلينا الآن ليُعاقَبوا بأيدينا…».
/18/
ثُمَّ اختتم القائد خطبته قائلاً إنّهم يدخلون المعركة مفعمين برجاء النصر، وأنّ هلاكهم إنْ وقع فسيكون عقابًا إلهيًا للذنب، وأنّ الله نفسه، الذي علّم أذرعهم فنّ الحرب، قد وضع في أيديهم سلاحه لينفّذوا عدله وانتقامه ويصونوا مجده، وفي مثل هذه المهمة المقدسة لا تكون المنيّة أقدس، ولا يكون النصر أروع ولا أبهى.
وأكّد في ختام كلامه أنه يطلب من كلّ رجلٍ أن يقتدي به، فهو لن يطلب إلا أحد أمرين: الموت مع المجد، أو النصر مع الشرف.
عند هذه الكلمات الملهِمة، أجاب جميع الرجال بأصوات متحمّسة، يصرخون: «تحيا عقيدة المسيح!»
وتردَّدَتْ الصيحات نفسها على متن الفرقاطات الأخرى، حيث شجّع القباطنة جنودهم، وامتزج الحماس العام بتآلف روح الإيمان.
وبعد أَنْ توزّعت السفن مواقعها حسب الخطة، أمر القائد العام كبيرَ الملاحين أن يناور قدر استطاعته ليقطع أسطول العدوّ من منتصفه.
وأمر كبيرَ المدفعيين ألا يُطلق قذيفةً بلا هدف محدد، وألا تُفتح النيران إلا عندما يكون العدوّ على مدى المسدسات (أي قريبًا جدًا).
ثم تقدّم الأسطول العربي مباشرةً نحو سفينة القيادة البرتغالية، وأمطرها بوابل رهيب من المدافع والبنادق، وتدافعت سفنه محاولًا كلٌّ منها الاصطدام والاشتباك مباشرة.
وردّت سفننا بإطلاق نارٍ مكثّف ومباشر، فسقط بعضها منكسرًا أو مُعاقًا بالحطام، وتراجعت أخرى إلى جهة الريح السفلى.
أَمَّا سفينة القيادة العربية، فعلى الرغم من إصابتها بنيراننا، تمكنت من الاصطدام بسفينتنا، وغرزت ساريتها بين السارية الكبرى وسارية الصاري الأمامي، فتدلّت أشرعتنا وانقطع أحد حبال الصاري، لكنها تماسكت بشراسة، وحاولت اقتحام سفينتنا وإلقاء الجنود على سطحها.
واندلعت النيران في كلتا السفينتين من كثافة إطلاق النار، حتى كان من العجيب أنهما لم تحترقا معًا في حريقٍ واحد.
وفي الوقت نفسه، اصطدمت سفينة عربية كبيرة أخرى بجانب سفينتنا من الجهة الأخرى، وحاولت مهاجمة سفينة الأدميرال البرتغالية أيضًا، لكنها لم تتمكن من تثبيتها.
وفي خضمّ هذا الاضطراب، اشتعلت النيران في مؤخرة سفينة القيادة البرتغالية من كثرة ما أُلقي من القنابل والقذائف عليها.
/19/
اشتعلت النار في مؤخرة السفينة بشدةٍ عظيمة، حتى كان إخمادها يتطلب جهدًا كبيرًا، في الوقت نفسه الذي كانت المعركة فيه دائرة ضد العدوّ وضد الأضرار في السفينة معًا.
ولمّا كانت سفينة الأدميرال البرتغالية عاجزة عن تثبيت موقعها، اندفعت سفينة القيادة نحو فرقاطة نازاريت — وهي سفينة صغيرة بُنيت على طراز القراويل القديمة — وكانت تقلّ عنها قليلًا في الحجم.
خاف الملاح من التفاوت الكبير في القوة، فقال لقائد السفينة بيدرو كارفاليو إنه يستطيع تجنّب الخطر إنْ شاء، لكن كارفاليو اعتبر هذا التحذير إهانة، فتقدّم بعزيمةٍ أعظم، قائلًا إنّ السفينة الرئيسية قد اشتبكت وتحترق، وإنه هو أيضًا يجب أن يسعى إلى حظّ مماثل لينال مجدًا مماثلًا.
فاتجه مباشرةً نحو سفينة الأدميرال العربية واشتبك معها، رغم أن فرقاطته كانت أصغر بكثير حتى بدت كقاربٍ صغير إلى جانب سفينة ضخمة.
ومع ذلك، قاوم رجال نازاريت ببسالة فائقة محاولة الاقتحام، ودافعوا عن سفينتهم الصغيرة كأنها من أعظم السفن، حتى جاءت غاليـوتة (جالبوتة) عربية لنجدتهم، فألقت جنودها فوق سطح السفينة البرتغالية، وإذ ازدحمت جموع العرب واشتدّ ضغطهم، لم يستطع المدافعون البرتغاليون الضعفاء الصمود، فاخترق العدو السفينة، وسقط القبطان بيدرو كارفاليو قتيلًا قبل أن يتمّ اقتحامها تمامًا.
نال ضباط البحر والحرب الذين قاتلوا معه نفس المصير والمجد، إذ كانت مصيبتهم أنهم ماتوا قبل أن يُهزموا.
أَمَّا القبطان الثاني للحامية فقد جُرح مرتين، وانسحب معه عدد قليل من الجنود الجرحى، وتحصّنوا في المقصورة الداخلية.
لكنّ العدوّ سيطر على سطح السفينة، وبينما قفز بعض البرتغاليين إلى البحر فرارًا، رأى المؤرخ أن هذا الهروب ليس عذرًا مشروعًا،
إذ لا يجوز اتخاذ أفعال الجبن قدوةً، بل يجب احتقارها كأفعالٍ مشينة.
في هذه الأثناء، كانت سفينة القيادة العربية قد انفصلت عن سفينتنا بعد أن هُزمت، وقُتل على متنها القائد العام ومعظم رجاله،
عندما وصل الأدميرال البرتغالي ومعه النجدة إلى فرقاطة نازاريت، التي كانت قد وقعت بالفعل بيد سفينة الأدميرال العربي — وهنا تبدأ الصفحة التالية وصف المعركة بين السفينتين الأخيرتين.
/20/
أظهر الأدميرال أنَّ التأخير السابق كان تدبيرًا إلهيًا؛ فما إن اقترب من سفينة العدو حتى أمطرها بمدافع رهيبة، واشتبك معها في قتالٍ عنيف.
وفي تلك الأثناء، كانت فرقاطة سان جواو دا ريبييرا تقاتل أيضًا، لكن لأنها لم تكن صالحة للإبحار ضد الرياح، انحرفت كثيرًا نحو المؤخّر ولم تستطع دخول المعركة.
ولما رأى الأعداء بعدها الكبير عن الأسطول البرتغالي، هجموا عليها بكل قوتهم، ظانّين أن ابتعادها يعني هروبها، وأن تفوّقهم العددي سيمنحهم النصر.
لكن الأمور لم تَجرِ كما ظنّوا: إذ لم يتجنّب البرتغاليون الخطر، بل واجهوه وانتزعوا النصر.
أَمَّا الفرقاطة التي ظنّها العدوّ فريسة سهلة، فقد كانت إهانةً لقوتها أن يُظنّ بها الضعف، فقاتلت بشراسةٍ عظيمة، وكأنها لا تسعى فقط إلى الظفر، بل إلى التكفير عن تأخّرها عن المعركة، كأنّ تأخّرها كان خطأ القبطان نفسه.
وعندما بدأت سفن العدوّ تتراجع مبتعدة، تقدّمت بعضُها نحو الساحل، لكنّ إحداها – وهي غاليـوتة صغيرة – تجرّأت فهاجمت فرقاطة برتغالية كانت قليلة الرجال، معتمدةً على كثرة جنودها.
غير أنّ الفرقاطة صبّت عليها نارًا كثيفة، فاشتدّ الخطر على الغاليـوتة، واضطرّ رجالها إلى القفز في البحر، إذ كانت الغاليـوتة قد اشتعلت فيها النيران من لهب الفرقاطة نفسها، حتى كادت تحترق في حريقها الذاتي.
ثم وصلت سفينة القيادة البرتغالية لنجدتها، فألقت الرعب في صفوف العدو، ففرّ الأعداء محاولين الاحتماء بظلام الليل، لكنهم لم يجدوا مأمنًا ولا سكونًا.
ولما رأى القائد العام ذلك، أشعل الأنوار وأعطى الإشارات المعتادة، وأمر بالالتفاف نحو سفينة الأدميرال البرتغالية، التي لم تكن قد انفصلت عن العدو بعد، ولا عن فرقاطة نازاريت، بل بقيت مشتبكة طوال الليل، مدافعةً عن نفسها ببسالةٍ نادرة.
أَمَّا القليل الذين بقوا من طاقمها، فقد تحصّنوا في المقصورة، وصارت السفينة كأنها حصن لا يُؤخذ.
وأخيرًا تراجع العرب، وانتصر البرتغاليون، فعيّن الأدميرال ضابطًا (كابو) مع عددٍ من الجنود ليتولّوا متابعة ما تبقّى من العمليات.
/21/
ثُمَّ أرسل الأدميرال البرتغالي الخبر إلى كُنغ، يحمل علامات النصر، وأسرى العدوّ وغنائمهم.
وفي أثناء الليل، عادت فرقاطة سان جواو دا ريبييرا فالتقت بأسطول العدو، ودخلت في قتالٍ عنيف معه، حتى إذ أنذرتها سفينة القيادة بأن تعود، رجعت مع الريح اللطيفة إلى موقع الأسطول.
وعند طلوع الصباح، كانت فرقاطاتنا ترسو في موضع النصر، بينما كان الأعداء ينسحبون راجعين إلى سواحل العرب.
فأمر القائد العام بمطاردتهم، وتبعتهم السفن البرتغالية طوال النهار،
لكن لما حلّ المساء، وكانت المسافة قد اتسعت كثيرًا، لم يعد في الإمكان اللحاق بهم، فعاد القائد إلى سفينة القيادة والأدميرال وفرقاطة سان جواو، ليعتني بالجرحى ويُصلح السفن المتضرّرة.
خسر العرب في هذه المعركة خمس سفن من أفضل سفنهم، منها سفينة القيادة السيّانية، كما فُقدت سفنٌ أخرى أثناء انسحابها نحو العرب.
وكان الجرحى كثيرين، أَمَّا القتلى فقد بلغوا أربعة آلاف، من بينهم الجنرال الرستاقي، حاكم البلوش، وابن أخ الإمام.
قاتلوا بشجاعةٍ حتى آخر لحظة، فكان موتهم نفسه شاهدًا على نُبلهم وبأسهم، لكن كما يقول النص:
«حين يكون النصر كاملًا، فلا يُمجَّد فيه الأحياء أكثر من الأموات، إذ تلطّخت البحار وسواحل فارس بدمائهم، حتى إنّ الصيادين لم يجرؤوا على أكل الأسماك التي اقتاتت من أجسادهم، إمّا خشيةً أو ازدراءً أو رهبةً من المأساة.»
أَمَّا من جانب البرتغاليين، فقد سُفك دم أربعين جنديًا من خير الرجال، وفقد ستون حياتهم في المعركة.
ورغم أَنَّ الجنائز لم تُقم لهم جميعًا في أرض المعركة، إلا أَنَّ البرتغال مدينة لهم بالمجد والعرفان.
وقد أُصيب أيضًا عدد من الأفارقة والبحّارة السود، الذين لم تُخفِ المعركة بطولتهم، بل أكّدت بدمائهم ما خُطّ من بطولات الأبطال.
ومن بين أعظم من نال المجد بالموت، كان القبطان بيدرو كارفاليو، قائد فرقاطة نازاريت، الذي قُتل قبل أن يستسلم العدوّ، حتى بدا وكأن جثمانه ظلّ يقاتل بعد موته، إذ لم يتمكّن العدوّ من الاستيلاء على السفينة إلا بعد سقوطه.
/22/
مانويل دي سالدانها، الذي مات من الإعياء بعد أَنْ قتل عديدًا من الأعداء، لا من الجراح، استطاع أن يغلب شجاعة خصومه، لكنه لم يحتمل مشقة القتال نفسها؛ فبينما كان قلبه لا يُقهَر، لم يكن جسده لا يُكلّ، فمات منهكًا، ولكنه مات شجاعًا.
أما مارتيم دي سوزا دي سان بايو، الذي خلَّدت ذاكرات المشرق اسمه لبسالته الفائقة، فقد تلقّى جرحين ولم يتوقف عن القتال في أكثر المواقع خطرًا، ولم يرضَ أن ينسحب ليُعالَج، إذ بدا له أن التراجع جريحًا أقلُّ مجدًا من الموت في ميدان القتال، فظل يقاتل مكشوف الرأس كأنه ما زال بكامل قوته، حتى أصابته رصاصة من بندقية في عنقه فذبحته، ولئن فقد الحياة التي كان يستطيع حفظها بلا عار، فقد نال المجد الذي لا يسمعه أحد دون إعجاب.
وبيدرو دي ماغالهايش كوتينيو، بعدما اخترقت رصاصة ساقه اليمنى، لم يشأ الانسحاب حتى أصابته قذيفة مدفعية فقتلته؛ مفضِّلًا أن يفقد حياته على أن يفقد موقعه.
وأَمَّا فرانسيسكو بايس دي ساندي، الشاب في عمره، الناضج في شجاعته، فكان يقاتل على مؤخرة السفينة التي كان هو قبطانها، فاشتعلت فيها النيران بعد أن التهمت برميلًا من البارود أُلقيَت إليه شرارة، وبينما كان يسقط جريحًا مميتًا كان يردّد أنه يموت راضيًا لأنه أدى واجبه، إذ كان يُقدّر أداء الشرف أكثر من حفظ الحياة.
ولما رأى أخاه أنطونيو دي كاسترو دي ساندي يُحمَل جريحًا إلى المقصورة، أراد أن يلازمه، إمّا ليودّعه أو ليحاول إنقاذه، فأوصاه وهو يحتضر ألا يقدّم الحب الأخوي على خدمة الملك، لأن الواجب يقتضي أن يُسعَف الخطر لا الجرح. فأثارت هذه الفعلة إعجاب الحاضرين وستثير إعجاب الآتين، وكانت أروع كلما بدت أكثر عفوية، إذ أظهر أن الشجاعة سبقت السن، وأن الشباب مؤهَّلون لأمجد البطولات.
ولم يكن في الأسطول بأسره من لا يستحق ثناءً خاصًا؛ فقد كان القائد العام في تنظيمه على أعظم قدر من الدقة، وفي المعركة على أكمل و
/23/
قاتل القائد العام لا كقائد فحسب، بل كمقاتلٍ أيضًا.
وقد نال الأدميرال جوزيه دي ميلو دي كاسترو، رغم تأخّره في الوصول إلى ساحة القتال، شرف أن يكون عونًا في النصر، إذ كان له من الفضل في المعركة بمقدار من شارك فيها منذ بدايتها بكل جهد.
أَمَّا الكابتن البحري والحربي أنطونيو دي كاسترو دي ساندي، فقد تلقّت فرقاطته عبءَ الأسطول المعادي، وبفضل شجاعته وحسن تدبيره أدّى واجبه كاملًا ورفع شرفه عاليًا.
والقائد الأعلى لأسطول المجاذيف، جواو فرييري دا كوستا، أظهر من جديد ما عُرف عنه من بأس قديم، إذ صنع في هذه الواقعة ما صنعه في سابقاتها في المضيق نفسه. ولم يكن الأعداء ليُدهشوا من بطولاته، فقد خبروها من قبل، لكنها مع ذلك لم تخلُ من إعجابٍ عظيم، لأنها كانت دائمًا تُكلِّفهم الخسائر الفادحة.
فقد ظهر في هذا القائد الشجاع أَنَّ الشجاعة تبلغ ذروتها حتى وإن انحدر العمر.
أَمَّا القبطان البحري مانويل دي سوزا بيريرا، وقائد الفرقاطة الأميرالية أنطونيو ريمام، فلم ينقصهما ليبلغا مرتبة سائر الأبطال سوى أن تكون فرقاطتاهما أعلى منزلة.
وهكذا رُسمت على مياه كُنغ مأساة تشبه تلك التي ناحَ عليها الناس في ضواحي ديو؛ فهي المعركة التي انتصرت فيها الأسلحة البرتغالية في دولة الهند، وهي النصر الذي رفع مجدها القديم، حتى إن الظروف المحيطة به تجعل منه — وإن لم يكن معجزة — أمرًا يدعو إلى الإعجاب.
فقد رأى هذا النصرَ لا أهل فارس وحدهم، بل أهل البلاد والأوروبيون جميعًا، وشهدوا بأن انتقامنا كان أعظم من هجومنا، إذ امتنع الأعداء عن محاولة الهجوم خشية أن يذوقوا وطأة الثأر.
أَمَّا سيفاجي، ومغور، وهيدلكاو، الذين كانوا ينتظرون نجاح العدوّ ليتقدموا نحو حصوننا، فقد انسحبوا عنها وقد تحوّل رجاؤهم إلى خوف.
وكانت فرقاطاتنا قليلة وضعيفة بالمقارنة مع أسطولهم، إذ لم يكن معنا سوى ثلاثمائة وأربعةٍ وعشرين برتغاليًا، فقاتلوا وهزموا سفنًا كثيرة أكبر منهم حجمًا، وعلى متنها سبعة آلاف عربي، بينما لم يُقتل من أسطولنا سوى خمسين جنديًا،
/24/
قُتل من العرب أربعة آلاف، ومن البرتغاليين خمسون فقط. ومن هذا التفاوت في القوة، ومن هذا الخراب الذي أصاب العدوّ في المعركة، يُستدل برحمةٍ وإيمانٍ على أن إله الجيوش أراد أن يُعاقب الإهانات الدنيوية التي وُجِّهت إلى المعابد المقدسة، فجعل ضرباتنا أدواتٍ لعدله الإلهي، حتى غدت هذه النصرة منسوبةً لا إلى سواعدنا بل إلى معونته، وكانت، لا لتمجيد مجدنا وحده، بل لتسبيح عدالته وتنفيذ حكمه.
وبمثل هذه الظروف العظيمة، كان من العدل أن تُسجَّل هذه المعركة في سجلات المجد، وفي خلود النحاس المنقوش، إذ إن الانتصارات التي كتبها البرتغاليون في اكتشاف الهند وفتحها كانت الأولى، لكنها ليست الأعظم؛ وهذه المعركة تعترف لها بالسبق، لا بالعظمة.
وقبل أن يرسو أسطولنا في كُنغ، استقبل القائد العام رسولًا من أبناء الجلندار، يحمل تهانيهم بالنصر وهديّة تعبّر عن روحٍ نبيلة، وكان الفرح قد بلغ بهم مبلغًا جعلهم يشاركوننا في البهجة والإنفاق.
وكانت السفن الراسية في الميناء مزدانة بالأعلام، في مشهدٍ من البهجة، حيث امتزجت مظاهر السلام بمدائح الحرب؛ فعندما لاحت سفننا وأطلقت المدافع من السفن والحصون تحيةً متكررة، بدا كأنها جولةٌ من القتال، لكنها في الحقيقة كانت تحيةَ النصر.
وترددت دويّات المدافع المتواصلة — على شدّتها وهولها — كأنها هتافات المجد لذلك النصر البحري العظيم.
ولم تُلهِ نشوة النصر القائدَ العام عن واجبه في إصلاح الأسطول، بل تولّى ذلك بعنايةٍ عظيمة، كما يليق بمن نال المجد بعمله. ومكث ثمانيةً وعشرين يومًا بعد المعركة في كُنغ، رتّب خلالها شؤون الجمارك وأظهر براعةً في الأمور السياسية لا تقل عن شجاعته في الميادين العسكرية. وبعد أن تمّ تنظيم ذلك، ووافق زمن اكتمال القمر في عيد القديس فرنسيس.
/25/
وفي الخامس والعشرين من سبتمبر، أبحر الأسطول متجهًا إلى الهند، من غير أن يعترضه في رحلته حادثٌ يُذكر. فبعد أن أحرز ذلك النصر العظيم، بدا كأنه لم يبقَ أمامه نصرٌ آخر يناله، إذ إن الشهرة التي ولدتها هذه المعركة كانت كافية لتخلّد المجد في سجلّ انتصاراته.
وفي الخامس والعشرين من أكتوبر، أشرقت الشمس والأسطول راسٍ في بحر حصن أغوادا، بعد أن أمضى ستة أشهرٍ ونصفًا في هذه الحملة، التي جنى فيها، إلى جانب مكاسبه الحربية، مجدًا خالدًا في سجلّ الشهرة العسكرية. فجاء الحكّام لاستقبال القائد العام، وتبادلا التهاني بتلك البهجة التي يشارك فيها المنتصرون والمهنئون على السواء.
وقد بدّدت الأخبار التي كانت قد شاعت في الهند عن خسارتنا السابقة كلَّ شكّ، إذ جاءت هذه الانتصارات لتثبت الحقيقة، فارتفعت أصوات الفرح وعمّت مظاهر البهجة التي غلبت أحزان الخوف، وكانت المدافع التي دوّت في الأفق لا تحمل الرعب، بل كانت صدىً للتصفيق. ومع إطلاق التحايا الاحتفالية من جميع الحصون، دخل الأسطول إلى الميناء في تلك الظهيرة، وكان ذلك اليوم أعظم أيام المملكة البرتغالية في الهند، بل أكثرها بهجة منذ أعوام طويلة، إذ أضيئت المدينة ليلًا بالمشاعل والألعاب النارية وطلقات المدافع المتكرّرة.
ورغم أن مظاهر الفرح بدت مألوفة في مثل هذه المناسبات، فإنها لم تنقص من صدق المشاعر، فقد احتُفل بالنصر بإخلاصٍ عظيم، لا سيما في زمنٍ كانت فيه مثل هذه الانتصارات نادرة. وكان هذا الظفر هديةً إلهية لمن يستحقها، لا مكافأةً لمن طلبها عبثًا.
ورُفعت إلى الله صلوات الشكر على هذا النصر المجيد، معترفين بأن من نالوه إنما فازوا به بعناية العناية الإلهية، التي بثّت القوة في قلوبهم، والرعب في أعدائهم، فخرجوا منصورين، ونُصروا على خصومهم. وإنه لحقٌّ أن الحظوظ تتبدّل متى شاء الله، وبفضله العظيم ورحمته الواسعة نرجو أن تظلّ هذه الأمة البرتغالية تنعم بهذه العناية، فلا تفقد — بما بدأته من مبادئ سعيدة — ما تحقق لها من أنبل التقدّم وأوفى النجاح.
/26/
بعد أن عاد هذا الأسطول ظافرًا، بادر حكّام دولة الهند البرتغالية إلى تجهيز حملةٍ جديدة، آملين أن تحظى بنصرٍ مماثل أو أعظم. وكان القائد نفسه، جيرونيمو مانويل، والجنرال جوزيه دي ميلو دي كاسترو، اللذان قادا الانتصار السابق، على رأس هذه الحملة الجديدة، وقد أضفت خبرتهما وشجاعتهما المجربة وثقتهما بعلوّ حظهما أملًا كبيرًا في نيل فوزٍ آخر.
لم يكن الوقت المتاح كافيًا لإعدادٍ ضخمٍ كهذا، لكن الغيرة والهمة العظيمة عوّضتا ضيق المدة، إذ تمّ تجهيز الأسطول في أقلّ من ثلاثة أشهر. وكان يقوده نخبة من قادة البحر والحرب، على رأسهم قائد السفينة سان بنتو، الذي عاد إليها في هذه الحملة مانويل دا سيلفا، ومعه من الحامية أنطونيو كورتي ريال دي سامبايو، وميغيل دي ألميدا، وفالكو لويس كوتينيو، وأنطونيو دا كوستا، وفرانشيسكو دي سوزا دا غاما، وأنطونيو فيليش.
أَمَّا الفرقاطة نوسا سينهورا دوس ريميديوش فقد تولّى قيادتها الأدميرال أنطونيو سوتيلو، وتحت إمرته في الحامية نونّو ماشادو دا سيلفِيرا وبنتو رودريغش إنريكيش.
ومن بين الفرقاطات الأخرى كانت يسوس ماريا ونوسا سينهورا دوس ميلاجريس وسان جواو دا ريبيرا وسان أنطونيو.
وقد أبحرت هذه السفن بأمرٍ من قادة البحر والحرب: بدرو فاس دي سيكِيرا، وبلثازار دي بارّوس فيرّاو، وأنطونيو دي كاسترو دي ساندي، وفرانشيسكو غوميش دو لاغو، ولويس ألفارِش بيريرا دي لا سيردا، الذي كان من أبطال البرّ في معارك "ألم تيجو"، ثم صار من خيرة قادة البحر في مياه الهند.
وفي الفرقاطة الأولى كان من قادة الحامية: مانويل دي سوزا ومانويل دا سيلفا تيليس،
وفي الثانية: بيلكيور دي أمارال دي مينيزِش وفرانشيسكو ساردينها كاسيلها،
وفي الثالثة: جوزيه دا كوستا ومانويل فرانشيسكو دي ميرا،
وفي الرابعة: لورينسو سوارِش،
وفي الأخيرة: غاسبار أومين،
أما قائد قوات المدفعية فكان مانويل دي أندرادي فرِيرِه.
تألّف هذا الأسطول من خمسمئةٍ وخمسة جنودٍ نظاميين، وخمسمئةٍ وثمانية عشر بحّارًا، ومئةٍ وأربعةٍ وأربعين.
/27/
وفي الخامس عشر من فبراير سنة 1670، غادر القائد العام جيرونيمو مانويل مدينة غوا، ويُرجى أَنْ يعود منها محمّلًا بانتصاراتٍ تعادل ما خلّفه من آمالٍ عظيمة في تلك الولاية.
وقد أُصيبَت الأمم المجاورة — بل حتى الأبعد منها — بالرهبة مما بلغها من أخبار النصر الماضي، وخشيت أن تُصاب بمثله في المستقبل، حتى إِنَّ بعضها، حين وصلها صدى ما جرى في البحار التي نحن سادتها، أرسلت سفراءها إلى حكّام الهند البرتغاليين ليقدّموا تهانيهم بهذا المجد العظيم.
وطلب الأصدقاء تثبيت السلام، وسعى الأعداء إلى إنهاء الحرب.
وفي هذه الظروف، تعلّقت الآمال بحكمة حكومة البرتغال، وبأن نائب الملك الجديد لويس دي ميندوسا فورتادو — الذي وصل إلى الهند بعون الله، وبمعاضدة شخصه وسلاحنا — سيقوّي قوى الشرق بقوةٍ متجدّدة، حتى تستعيد تلك الولاية حيويتها، وتسترجع من مجد حياتها الزاهرة ما ازدهر به ماضيها المجيد.
/28/).
انتهى نص الكتاب.